“هل نقرأ حقا”؛ قراءة فيما يقال حول الرموز والأعلام

هل نقرأ حقّاً ونتابع ما يُكتَب ويقال هنا وهناك في مايخصّ رموزنا  وأعلامنا ومراجعنا ، قراءةً وتتبّعاً منهجيين قائمين على الاستقصاء  والاستقراء والمقارنة والتحليل والمسح والحفر والاستنتاج المعرفي .. أم  لانقرأ ولانتابع .. أو هكذا لكن دون الأدوات المعرفية المشار لها ؟
لعلّني  من اُولاء الذين قلّت قراءاتهم عموماً وفي موضوعنا خصوصاً .. إلّا أنّي  استحضرت في ذهني بعض نماذج ممّا قيل في المرجعية العليا المباركة ؛ علّها  تسهم يسيراً في تسليط الضوء أكثر على مايجول في أفكار وأروقة القريبين  والبعيدين من إراء وتصوّرات بحقّ المرجعية العليا.

1-يقول ولي نصر في كتابه ” الانبعاث الشيعي ” تعريب مختار الأسدي ، طبع مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي ، سنة 2010 :

السيستاني  ، وبحكمة وتعقّل لم يسع أن يصبح حاكماً أعلى أو مرجعية عليا في الوسط  الشيعي ، لكنه ناضل لأن يكون وسيطاً شريفاً وباني جسور – bridge builder –  ربما يستطيع أن يوحّد من خلالها في مابين الأصوات والتجمعات السياسية  المختلفة . كما أنّه لم يحاول إضافة طيف أو لون جديد ، وإنما أن يزوّد  المكوّنات الشيعية العراقية بشراع يمكنهم من خلاله صياغة أو تلوين مستقبلهم  .

بالنسبة  للسيستاني أيضاً ، إنّ الانبعاث الشيعي على المستوى الإقليمي يعني بناء  هوية مشتركة لملايين الشيعة … من أجل أن يحصدوا محصولهم في رأس مالٍ  سياسي يمكن لمثل هذه الهوية المشتركة أن تحققه لهم أو تكون لازمة من لوازمه  على أقلّ التقادير.

وكان –  السيستاني – تأثيره هذا واضحاً بشكل كبير في منع الشيعة من التصرّف بردود  الأفعال على الأعمال الوحشية والفظيعة التي ارتكبت ضدّهم وتقريباً يومياً  من قبل المتطرّفين السنّة. إنّ الحرب الطائفية شَرَك ومصيدة ، كما قال  محذّراً ، وعلى الشيعة أن يتجنّبوها من جانبهم جهد الإمكان … ” أرجوكم أن  تكونوا حضاريين ، إنّنا لانريد أن نبدأ حرباً أهلية . هذه هي النقطة  الأكثر أهمّية في الموضوع كلّه “.

إنّ الذي عجزت الثورة الإسلامية أو فشلت في تحقيقه استطاع الانبعاث الشيعي في عراق مابعد صدّام أن ينطلق في تحقيقه ،انتهى.

2-يقول  دوغلاس ج.فايث الوكيل السابق لوزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسة سنة  2002 حتى سنة 2005 في كتابه ” الحرب والقرار ” تعريب سامي بعقليني ، طبع  مؤسسة الانتشار العربي بيروت ، سنة 2010 :

على مدى  ثلاث سنوات من تحرير العراق أظهر الشيعة فعلاً قوّة تحمّل مذهلة ، متعاطفين  مع قيادة آية الله العظمى علي السيستاني الذي دعا باستمرار إلى ضبط  النفس.يستحقّ السيستاني أكبر ممّا لقيه حتى الآن من المؤرّخين … ومع أنّه  رفض أن يجتمع مع بريمر فقد لعب دوراً كبيراً وبنّاءً على العموم في عراق  مابعد صدّام . عارض النزاع الأهلي ورفض الحكومة الإكليركية على الطراز  الإيراني .المعلّقون الذين أكّدوا أنّ القوة السياسية الشيعية في العراق  ستترجم انتصاراً للنظام الإكليركي الإيراني جنحوا إلى تجاهل السيستاني أو  أخطئوا في إدراك وجهة نظره .

ثم يقول :  في اجتماع للجنة الأساسيين في واشنطن في 16 يناير/ كانون الثاني ،2004،  قامت أصوات عديدة من حول الطاولة تنصح بريمر بالتراجع في نزاعه مع  السيستاني . علّقتُ بأنّنا” لانريد أن نكون في موقف المعارضين للانتخابات  “. قال رامزفيلد : أنّ كلمة “انتخابات ” لها أكثر من تعريف واحد. بعد برهة  لاحظ تشيني أنّ للسيستاني شرعية أكبر في أعين أكثر العراقيين من أيّ شخص  آخر: نحن بحاجة إلى استراتيجية تأخذ بالاعتبار اهتماماته المشروعة . عندما  ردّ بريمر بأنّ السيستاني “يغيّر مواقفه الأساسية ” لاحظ باول أنّه في  مسألة المطالبة بالانتخابات لم يغيّر السيستاني موقفه، انتهى .

3-أمّا  أنا فقد كنتُ حاضراً وسمعتُ شخصيّاً بإذني  أحد كبار رجالات دولة من دول  الجوار وهو يقول : خلال لقاءاتي المتعدّدة مع مسؤولي وقادة الدول الاُوربية  وغيرها لاحظتُ اهتماماً خاصّاً بوسطية واعتدال وعقلانية السيستاني ، فوجدت  أنّها الفرصة الأنسب لترويج وطرح التشيّع العقلاني المعتدل المتمثّل  بالسيّد السيستاني ترويجاً وطرحاً عالميّاً ، سيّما بعد غلق ملف تشيّع  الثورة الإسلامية بوصفه التشيّع الراديكالي ،انتهى.         أ

قول : هل  فكّرنا تفكيراً علمياً ، أخلاقياً ،عَقَدياً، وجدانياً، اجتماعياً،  ثقافياً، اقتصادياً،فنّياً… بما صنعته هذه المرجعية لنا- بحكمتها  وإخلاصها و تدبيرها وعقلانيتها ومعارفها –  من مزيد فخر واعتزاز واعتبار  لمبادئنا وقيمنا النبيلة الحقّة ، منتزعةً بذلك اعتراف القاصي والداني  بإنسانية هويتنا وشرف عقيدتنا، هذا الاعتراف الذي عجز الكثيرون -على شتّى  الأصعدة – من كسبه وتحصيله مدى القرون والأعوام ؟

إنّها  الفرصة التي قد لاتعوّض ، فرصة العمل على إرساء وإيصال مباني وثقافة  العقلانية والاعتدال والوسطية التي نادت بها المرجعية العليا وجسّدت  مضامينها بأرقى تجسيد، مضامين الحبّ والسلام والأمان ونبذ العنف واحترام  الإنسان وحقّه بالحياة الحرّة الكريمة ..الأمر الذي يستدعي مزيد بحث وتلاقح  وتواصل بتوفّر الإمكانيات والفضاءات المساعدة ، سيّما وأنّ العقل المدبّر  وسيّد الثقافة المعهودة “مدّظلّه “لازال يرفدنا بروائع الأنظار وشوامخ  الأفكار بطعم الحكمة ومذاق الفضيلة وعبق السيرة العظيمة .

بقلم: كريم الانصاري

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: