“داعش” ومنطلقات ومآلات إيران وتركيا .. مقاربة سريعة

المطلوب ، او هكذا هو المفروض ، ان تقوم الدول الاقليمية الكبرى في منطقة الشرق الاوسط ، بدور مسؤول ازاء ما تواجهه المنطقة من صراعات وازمات ، فتجنيب المنطقة ما يعكر صفو استقرارها وامن شعوبها يعود بالنفع على جميع دولها ، واغلب هذا النفع يعود للدول الاقليمية الكبرى ذاتها ، لما لديها من مصالح متشابكة مع الجميع ، بفضل خصوصياتها الذاتية.

للاسف الشديد تشذ منطقة الشرق الاوسط عن باقي مناطق العالم الاخرى عن هذه القاعدة البديهية ، فبعض دولها الكبرى لا تقوم باي دور ايجابي لتسوية الازمات وحل المشاكل التي تواجهها المنطقة فحسب بل تقوم بدور سلبي يساهم في تعقيد هذه الازمات والمشاكل وتدفع بالمنطقة الى الهاوية ، دون ادنى شعور بالمسؤولية الاخلاقية ازاء المنطقة وشعوبها.

اكثر دول المنطقة تجسيدا لتلك الحالة غير المسؤولة والمتهورة والمتطرفة في منطقتنا ، هي تركيا ، التي تعاملت مع قضايا اقليمية في غاية الخطورة ، بلامسؤولية بالمطلق ، كما بدى ذلك واضحا في تعاملها مع مصر اثر عزل الرئيس السابق محمد مرسي ، ومع الازمة التي تعصف بسوريا ، ومع الارهاب التكفيري الذي يضرب المنطقة ، وهو تعامل يشبه الى حد بعيد تصرف مقامر خسر كل شيء ، ولم يعد يهمه شيء ، فوضعت تركيا بذلك المنطقة برمتها على كف عفريت.

هذا الموقف العبثي لتركيا ازاء القضايا الاقليمية اثار حفيظة حتى حليفتها الكبرى ، فقبل ايام حمل نائب الرئيس الامريكي جو بايدن تركيا مسؤولية تغول “داعش” في المنطقة ، لغرق القيادة التركية حتى اذنيها في احلام اسقاط النظام في سوريا ، باي وسيلة ومهما كانت النتائج ودون الاخذ بنظر الاعتبارات تداعيات هذه السياسة ، اما موقفها الشاذ من التطورات في مصر فهو حديث يطول لا مجال لذكره هنا.

ومن اجل الا نظهر بمظهر من يتجنى على القيادة التركية ويتهمها بما ليس فيها ، سنعقد مقارنة سريعة بين موقف تركيا ازاء ظاهرة التكفير والارهاب المتمثلة ب”داعش” وبين موقف ايران بوصفها دولة اقليمية كبرى ازاء هذه الظاهرة ، لنقف على الهوة السحيقة التي تفصل بين هذين الموقفين المتناقضين.

اهم وابرز موقف يمكن ان يوضح حجم التناقض بين السياسة المسؤولة والمتزنة لايران تجاه بلدان وشعوب المنطقة ، وبين الموقف اللامسؤول والمتهور لتركيا ازاءها ، هو موقف البلدين من التهديد الذي شكلته “داعش” للاكراد في العراق وسوريا.

كلنا راى كيف تعاملت ايران عندما اقتربت “داعش” من المناطق الكردية في شمال العراق لاسيما من اربيل ، حيث هبت ايران لنجدة الاكراد وحالت دون سقوط اربيل بيد “داعش” ، كما حالت دون وقوع مجازر رهيبة في المناطق الكردية من العراق ، وهو ما اعترف به رئيس اقليم كردستان العراق مسعود البرزاني ، الذي اعلن ان ايران كانت اول دولة في العالم تقدم المساعدة للاكراد دون اي مقابل ودون ان تشترط او تفرض رايها على الاكراد في اي شيء ، فالقيادة الايرانية لم ولن تتعامل مع الارهاب بمكيالين ، فالارهاب من وجهة نظر ايران مرفوض ويجب التصدي له في كل مكان و زمان.

في المقابل راى العالم كله كيف تتعامل تركيا وبإستهزاء مع اكراد سوريا ، وما موقفها من مدينة كوباني الكردية الملتصقة بحدودها الا مثال واضح على هذا التعامل ، فهذه المدينة محاصرة منذ اكثر من ثلاثة اسابيع من ثلاث جهات من قبل “داعش” ، وتتعرض يوميا لقصف مدفعي وصاروخي عنيف ، وقد ذكرت بعض التقارير الصحفية ان “داعش” استخدمت قذائف تحتوي على مواد سامة  في قصف المدينة ، التي تتوعد “داعش” اهلها بالذبح والسبي ، بينما الجيش التركي يقف متفرجا على بعد امتار على هذه الكارثة الانسانية.

يبدو ان تركيا لم تتفرج على القصف العنيف التي تتعرض له مدينة كوباني فحسب ، بل دخلت في المعركة مباشرة الى جانب “داعش” عبر اغلاق الجيش التركي للمعبر الشمالي الذي يربط المدينة بالاراضي التركية ، وبذلك اصبحت المدينة محاصرة من جميع الجهات ، كما منع الجيش التركي دخول اية مساعدات عسكرية  الى المدينة ، ومنع ايضا دخول شباب من اكراد تركيا جاوؤا  لمساعدة المقاتلين الاكراد السوريين داخل المدينة.

بعض المراقبين ذكروا ان تركيا طلبت من الاكراد محاربة الجيش السوري ، وحل الادارة الذاتية لمناطقهم ، قبل تقديم اي مساعدة لهم للتصدي ل”داعش” ، وهو امر يكشف في حالة صحته مدى سطحية التعامل التركي مع هذه الازمة المعقدة التي تستفحل بالقرب من حدودها   ، كما تبين مدى انتهازية القيادة التركية في التعامل مع هذه القضية الانسانية.

واذا ما اردنا ان نتناول الموضوع بلغة طائفية وان كنا لا نحبذها ، الا ان البعض لا يفهم سواها للاسف الشديد ، فنقول ، كان حري على القيادة في تركيا ان تهب لنجدة الاكراد في سوريا لانهم “سُنة”  ، فهذه القيادة ومنذ اكثر من ثلاث سنوات وهي ترفع لواء نصرة “اهل السنة”  في سوريا ، في مواجهة “العلويين”!! ، لا ان تتركهم فريسة بيد “داعش” التي تهدد ليل نهار بذبح رجال الاكراد وسبي نساءهم ، وهو ما يكشف كذب ونفاق هذه القيادة في كل ما ادعته خلال السنوات الثلاث الماضية في الدفاع عن “السنة” في سوريا.

وبنفس اللغة نقول ، ما الذي تجنيه ايران “الشيعية” من انقاذ الاكراد السنة في العراق ؟ ، اليس حري بايران الاهتمام فقط بالشيعة والا تعير اهمية للسنة الذين يقتلون بيد “داعش” “السنية” ؟ ، لماذا تقدم كل هذه المساعدات العسكرية والمادية والمعنوية واللوجستية لسنة العراق ، وهو امر يكلف الاقتصاد الايراني الكثير ؟.

اما بلغة اسلامية اصيلة نقول ، ان ايران لم تتعامل مع القضايا الانسانية العادلة ، وخاصة القضايا المتعلقة بالشعوب الاسلامية ، من منطلق طائفي قط ، فموقفها من نصرة فصائل المقاومة الاسلامية في فلسطين ، خير دليل على ذلك ، رغم الكلفة الباهظة التي تتحملها ايران سياسيا واقتصاديا بسبب هذا الموقف الاسلامي المبدئي ، اما موقفها من الاكراد ، وهم من اهل السنة الكرام شانهم شان الشعب الفلسطيني المسلم ، جاء انطلاقا من نفس المبدا الاسلامي الانساني ، فايران لن تاخذ بنظر الاعتبار اية قضايا اخرى قد تكون مرتبطة بالاكراد العراقيين ومدى تاثير هذه القضايا على باقي الاكراد في المنطقة ومن ضمنهم اكراد ايران ، فكل هذه القضايا تتراجع الى الخلف ، امام الخطر التكفيري الارهابي الوحشي الذي تمثله “داعش” ، والذي يهدد البشر والشجر والحجر.

ان على عقلاء تركيا اليوم ، ان يعيدوا قطار السياسة التركية الى سكته الاصلية ، وهي سكة الدولة الاقليمية الكبيرة والمسؤولة ، ليس على امن ومصلحة تركيا فقط، بل مسؤولة على امن ومصلحة الاقليم برمته ، فسياسة التسلح بالمجاميع التكفيرية والعزف على الوتر الطائفي ، لتحقيق اهداف سياسية ، هي سياسة عقيمة اثبتت التجربة فشلها ، وقد جربتها بعض الدول من قبل ، وارتدت عليها ودفعت بسبب ذلك اثمانا باهظة  من امنها واستقرارها ، وبدون اعادة قطار السياسة التركية الى سكته ، لن تنعم تركيا بامن ولا استقرار.

بقلم:ماجد حاتمي

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: