المخرج «عيتاني» آخرهم.. ماذا تعرف عن حرب الجواسيس المشتعلة بين إسرائيل ولبنان؟

يفرض «البقاء على قيد الحياة» وجود «قدرة لا متناهية على الشك» كما يقول كاتب روايات التجسس «جون لو كاري»، ولذلك استمرت «حرب الجواسيس» بين إسرائيل، و«حزب الله»؛ بل زادت وتيرتها في السنوات القليلة الأخيرة حتى أصبحت لا تقتصر فقط على مناطق الحزب وشخصياته؛ بل كل لبنان.

زياد عيتاني.. المخرج الذي كتب الموساد حكايته الأخيرة

عندما كان المخرج اللبناني «زياد عيتاني» يُوصل هاتفه النقال بالإنترنت، فيستقبل رسالة «HI IT’S ME»، كان يعرف أن المرسلة هي ضابطة الموساد الإسرائيلي «كوليت فيانفي» بغض النظر عن الرقم المتغير الذي ترسل منه تلك الرسالة، وذلك حسب الرواية السائدة المدعمة بالكثير من الأدلة من وجهة نظر قطاع عريض من اللبنانيين.

تلك القضية تشغل الشارع اللبناني الآن حتى قبل حسم قرار القضاء فيها، فهو ينتقد المبلغ المالي الذي كان يتلاقه «عيتاني»، ويسخر من طلب «كوليت» من عيتاني تغيير مظهره والاهتمام بملابسه، وتعود التفاصيل إلى يوم ألقت الأجهزة الأمنية اللبنانية القبض على المخرج المسرحي «بجرم التخابر والتواصل والتعامل مع العدو الإسرائيلي، وتمكنت بذلك من إنجاز عملية نوعية استباقية في مجال التجسس المضاد»، حسب البيان الصادر عن جهاز أمن الدولة، فيما أكدت وحدة متخصصة من أمن الدولة، أنه بعد الرصد والمتابعة والاستقصاءات على مدار أربعة أشهر أُذن بالقبض على المخرج، ثم أتت اعترافاته لتثبيت الجرم فعليًّا عليه.

وذكرت التحقيقات اللبنانية أن «عيتاني» كلف برصد مجموعة من الشخصيات السياسية رفيعة المستوى، وبالعمل على توطيد العلاقات مع معاوني شخصيات مهمة، وكذلك طلب منه تأسيس نواة لبنانية تمهد لتمرير التطبيع مع إسرائيل، كما طلب من المخرج إرسال تقارير حول ردود فعل الشارع اللبناني عن التطورات الأخيرة التي تشهدها لبنان.

بحسب التحقيقات، اختار الموساد الإسرائيلي لإيقاع «عيتاني» الذي ولد في عام 1975، وجمع بين التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية، فتاة بيضاء ذات شعر أسود وعينين خضراوين هي «كوليت» التي تعرف إليها كفتاة سويدية عبر موقع فيسبوك في عام 2014، لتتعمق العلاقة من تواصل عبر الهاتف حتى تجنيد عيتاني للعمل لمصلحة الموساد الإسرائيلي في عام 2016.

نجحت «كوليت» في تجنيده، واعتمدت على الرسائل المشفّرة في التواصل معه، إذ «كان يُرسَل كل منها عبر تطبيق مستقل، أو تُبعث الرسالة المشفرة عبر أحد التطبيقات، ويفك التشفير على تطبيق آخر. وكان الحساب الشخصي للإسرائيلية يُلغى كل ثلاثة أسابيع ليفتح بعدها بوقت قليل حساب آخر جديد باسم مغاير يقوم مجددًا بالاتصال بحساب زياد»، حسب التحقيقات اللبنانية.

حزب الله لا يقف مكتوف الأيدي

يُعرف أن عمليات كشف الأجهزة الأمنية اللبنانية عن شبكات التجسس كانت كثيفة بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، فقد تمكنت قوى الأمن اللبنانية من كشف العديد من شبكات التجسس، خاصةً في صفوف العسكريين والموظفين في قطاع الاتصالات.

كثفت إسرائيل في إطار الصراع مع «حزب الله» أنشطتها التجسسية في منطقة الاحتكاك، وأقامت الأبراج وأجهزة الرصد والمراقبة التي تهدف إلى القرصنة والتجسس على شبكات الاتصالات والمعلوماتية اللبنانية، ويذكر هنا حادثة «التنصت في الزرارية» عام 2012، إذ تمكنت إسرائيل من زراعة أجهزة تنصت على بعد أمتار قليلة من الطريق العام على طرف القرية، وأثارت عملية نقل معدات ثقيلة، وتعليقها بالألياف وحفر حفر ضخمة تحمل جهاز التنصت، وغيرها دون أن يتمكن أحد من الملاحظة، الكثير من التكهنات حول كون المجموعة التي نفذت العملية هي على مستوى عالٍ من التدريب، وليسوا مجرد عملاء لبنانيين.

لكن الإخفاق الاستخباراتي الأكبر، تمثل في اغتيال القيادي في الحزب «عماد مغنية» (الأب)، الذي اغتيل بعبوة ناسفة وضعت في سيارته بدمشق في فبراير (شباط) 2008، ومع هذا لا يمكن القول إن إسرائيل هي المتفوقة في المعركة الاستخباراتية دائمًا، فـ«حزب الله» يملك جهازًا خاصًا لمكافحة التجسس، ويتلقى عناصره التدريب من وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية، لذلك لا يمكن التهاون بمسائل التجسس والاستخبارات المضادة، وقد أوقف الحزب مسؤول وحدة العمليات الأمنية فيه، صيف 2014، بتهمة العمالة لإسرائيل.

وتستمر حرب الجواسيس على أوجها بين «حزب الله»، وإسرائيل في إطار القتال من أجل البقاء، وفي إطار احتمال نشوب حرب بين الطرفين، فحسب تقرير مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أصبح: «الجهد الاستخباراتي الإسرائيلي اليوم منصبًا على تقييم الأسلحة المنقولة من إيران إلى الحزب وتحديدها»، وتنقل المجلة عن خبير إسرائيلي قوله إن: «إسرائيل لا تحاول بالضرورة تجنّب الحرب مهما كانت بشاعتها، وإنّ الإسرائيليين يجمعون عمومًا على أنه لا مفرّ من الاشتباك؛ بل إنه قد يكون فرصة نظرًا للوضع الراهن في لبنان».

حرب الجواسيس.. نحو العمق اللبناني

لم يخص الجهد التجسسي الإسرائيلي ما يتعلق بنقاط الاحتكاك مع «حزب الله»، فقد شهدت الأعوام القليلة الماضية، عدة حوادث تدلل على الانكباب الإسرائيلي نحو العمق اللبناني.

ويظهر بحثنا في بيانات أعلنتها قوى الأمن اللبنانية، أنه في اليوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تم توقيف شبكة تجسس لصالح الموساد الإسرائيلي، يرأسها مواطن سوري يدعى «بولس جورج الخوري»، إذ كلف الخوري باستقبال أشخاص من الخارج لمعاينة مواقع عسكرية وأمنية ومراكز تابعة للجيش اللبناني، وترتيب بعض اللقاءات مع أشخاص لديهم قابلية للتعامل مع الموساد.

يقول المدير العام للأمن العام اللبناني، عباس إبراهيم، في وثائقي عنون بـ«خفايا الإرهاب» إن: «الخوري الذي انتقل من حلب إلى بلجيكا بحكم عمله عام 2011، كان يتردد أسبوعيًّا على كنيسة في ضواحي بروكسيل للصلاة، وهناك تعرف إلى شخصيات من جنسيات متعددة، وهي بريطانية وأمريكية وصينية ورومانية وبلجيكية، وهم يعملون في شبكة للموساد الإسرائيلي يديرها قسيس إفريقي تحت غطاء العمل الكنسي؛ ولكن العلاقة الأقوى كانت مع فتاة رومانية تعمل في منظمة أصدقاء إسرائيل في أوروبا».

وتعد واحدة من أخطر عمليات التجسس على لبنان، عملية إنشاء شبكة اتصالات غير شرعية مرخصة من وزارة الاتصالات تزوّد اللبنانيّين بالإنترنت، وهي متصلة بإسرائيل، فقد كشفت هذه الحادثة عن تعرض اللبنانيين للقرصنة والتجسس، واكتشف أن أكثر من مؤسسة رسمية وجهاز أمني، أهمها القصر الجمهوريّ ومجلس النواب ودوائر في الجيش اللبناني استخدموا شبكات تمر فعلًا عبر إسرائيل.

أما في مايو (أيار) الماضي، فقد أحالت السلطات اللبنانية مواطنًا عراقيًّا للقضاء اللبناني، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وأعلنت المديرية العامة للأمن العام في لبنان، أنه تم تجنيده من قبل جهاز إسرائيلي ينشط في مجال العمليات الخارجية في الدول العربية، ووصل أمر تجنيد عملاء لإسرائيل في لبنان إلى قوات (اليونيفيل)، ففي 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، اضطرت قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان إلى تسليم أحد موظفيها إلى الجيش اللبناني بعد اتهامه بالتجسس لصالح إسرائيل، إذ قالت (اليونيفيل) إن: «الادعاءات ضد الموظف المدني لدى اليونيفيل لا تبدو مرتبطة بعمله، ووفقًا لهذا فإن الحصانة من أي ملاحقة قانونية لا تطبق في هذه الحالة».

كما ألقت قوات الأمن اللبنانية القبض على خلية تجسس لصالح الموساد تضم لبنانيين وفتاتين نيباليتين ولاجئًا فلسطينيًّا في يناير (كانون الثاني) الماضي، وقال بيان المديرية العامة للأمن العام اللبناني إن: «النيباليتين ناشطتان في مجال تجنيد عاملات في الخدمة المنزلية من الجالية النيبالية في لبنان لصالح العدو الإسرائيلي، وجمع معلومات أمنية عن شخصيات سياسية لبنانية، وأهداف عسكرية وأمنية في المنطقة الممتدة من صيدا إلى الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة».

يقول الصحافي اللبناني، منير الربيع، في موقع «المدن»: «أتى عمل هذه الشبكات في إطار الضغط الإسرائيلي، والعمل الحثيث لتوسيع دائرة معلوماته الميدانية التي لا يستقيها من طائرات الاستطلاع»، ويتابع في مقاله «إسرائيل– حزب الله: عودة حرب التجسس»: «المرحلة المقبلة تفرض حربًا من نوع آخر، وهي الحرب الاستخبارية، والأكيد أن ذلك لا ينفصل عن التصعيد في الأوساط الإسرائيلية، إذ يبحث الإسرائيليون خيارات متعددة، بهدف إضعاف حزب الله، عبر توجيه ضربة سريعة له، أو الرهان على توجيه ضربات متفرقة في الميدان السوري، على ألا تستدعي هذه الضربات ردًّا من لبنان. فيما هناك من يعتبر أن هذه الضربات لا تكفي، ولا بد من حملة عسكرية شاملة».

نساء الموساد يُسقطن اللبنانيين

«لا يهمنا ماذا فعلتِ؛ بل يهمنا مَن أنتِ، الموساد يُجند ضابطات ذوات شخصية مميّزة لجمع المعلومات»، جزء من إعلان نُشر في يناير الماضي تحت عنوان «مطلوب نساء قويات».

الإعلان الذي نشر في وسائل إعلامية إسرائيليّة كثيرة، وأحدث ضجة في الدول العربية كونها المستهدفة في المقام الأول، يدلل على استمرار اعتماد الاستخبارات الإسرائيلية على النساء في المهام التجسسية، وهي السياسة التي اعتمدت في السابق وكان للبنان على وجه التحديد نصيب من الإسرائيليات الجاسوسات اللواتي قدمن الكثير من المعلومات.

أشهر تلك الجاسوسات هي «شولا كوهين»، والدة السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة، إسحق ليفانون. تزوجت «شولا» تاجرًا لبنانيًّا وتم تجنيدها في لبنان ما بين 1947 و1961، تلك الفترة الزمنية التي أسقطت فيها العديد من كبار موظفي الدولة في لبنان عن طريق تقديم الخدمات الجنسية لهم، فقد وفر الموساد لها كل أجهزة التسجيل التي مكنتها من الإيقاع بهؤلاء بسهولة بعد ابتزازهم. توفت «شولا» التي وصفتها الصحافة الإسرائيلية بأنها أهم جاسوسة إسرائيلية في لبنان قبل خمسة أشهر عن عمر يناهز 100 عام.

ويذكر موقع «المصدر» التابع للمخابرات الإسرائيلية، أنها: «نقلت معلومات كثيرة ومهمة من لبنان وسوريا إلى إسرائيل طيلة 14 عامًا على التوالي، بين عامي 1947‏ و‏1961‏، و أثناء هذه السنوات، ساعدت المعلومات التي نقلتها على تهريب يهود لبنانيين وسوريين إلى إسرائيل»، ويضيف التقرير: «في عام 1961، كشفت القوى الأمنية اللبنانية النقاب عن عملها، فاعتقلتها وعذبتها أثناء التحقيق معها. حكمت المحكمة عليها بعقوبة الموت، ولكن بعد تقديم التماس حُكِم عليها بالسجن لسبع سنوات فقط. بعد أن قضت معظم هذه الفترة، أطلِق سراحها في صفقة إطلاق سراح الأسرى في نهاية حرب عام 1967، وهاجرت إلى إسرائيل برفقة عائلتها، وعاشت في القدس حتى وفاتها».

يؤكد الخبير في الشؤون الإقليمية، ميشال نوفل أنه: «تتمثل نقاط الضعف التي تغري العملاء عادةً بالمال والنساء، العامل الجنسي مهم لدى البشر، وهو ممكن أن يشكل عامل ضعف في التركيبة الذهنية لدى الشخص، العرب يمكن إصابتهم في المنحى المتعلق بالنساء»، ويضيف لـ«النهار» اللبنانية: «المرأة لديها سحر كونها عنصرًا جماليًّا، وإذا كانت امرأة ذكية، في ظل عدم الوعي السياسي للفرد، وعدم القدرة على فهم الأساليب المعقدة التي يستخدمها العدو، يمكن للبعض أن ينساق».

ميرفت عوف

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: