لم يربح أحد.. كيف غيرت الأزمة الخليجية الخريطة السياسية العربية خلال عام؟

في أغسطس (آب) من عام 2003، قرر الأمير القطري آنذاك حمد بن خليفة إعفاء ابنه الأكبر من ولاية العهد لصالح نجله الرابع تميم بن حمد -23 عامًا- الشاب الذي تولى 13 منصبًا قبل أن يصل نائبًا لعرش أبيه؛ وفي تلك الأثناء كان الأمير السعودي محمد بن سلمان -18 عامًا- قد أنهى للتو دراسته الثانوية، وكان لا يزال حتى ذلك الوقت ابن أمير الرياض الذي لم يحظ بنفوذ أكبر من ذلك في العائلة المالكة حتى عام 2013 حين أصبح رئيسًا للديوان الملكي، وهو نفس العام الذي وصل فيه الشيخ تميم إلى العرش، ويبدو أن المفارقات التاريخية تخبرنا الكثير عن أصحابها.

في يونيو (حزيران) من العام 2017، ينتزع الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد من الأمير محمد بن نايف، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على اندلاع الأزمة الخليجية، وكان هدفها الرئيس حصار الدولة الصغيرة صاحبة النفوذ الكبير في المنطقة والتي تُنافس السعودية والإمارات في الزعامة الخليجية. يمرُ العام سريعًا، وتتسابق الأذرع الإعلامية لكل دولة في حصد المكاسب وغض الطرف عن خسائرها، وبالعودة لأسباب الحصار الغير مُعلنة ومقارنتها بالنتائج سنجد أن هناك أطرافًا أخرى استفادت بعيدًا عن اللاعبين الرئيسيين، وأن هناك خسائر مشتركة ساهمت في تغيير الخريطة السياسية.

هذا التقرير يتجاوز الانتصارات الصغيرة، ويلقي بظلاله على الخسائر التي كلفتها الحرب الباردة في المنطقة العربية.

حصار قطر و6 أزمات أخرى.. كيف تغيرت خريطة السياسة العربية؟

منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه الأزمة الخليجية – 5 يونيو 2017 – والتحالفات العربية التقليدية سُرعان ما انكسرت وتحولت للبحث عن تحالفات بديلة تخدم مصالحها في المقام الأول، فالأردن على سبيل المثال سارع بتأييد دول الحصار ثم قام بتخفيض تمثيله الدبلوماسي مع الدوحة من دون قطع العلاقات، لكنّ الخسائر التي تكبدتها عمّان نتيجة إغلاق السعودية الحدود البرية أمام حركة الصادرات الأردنية إلى قطر، دفعت الملك الأردني في النهاية إلى إغضاب السعودية والإمارات وإعادة العلاقات مرة أخرى.

التأثير السياسي للأزمة الخليجية انتقل إلى قارة أفريقيا؛ فالرئيس السوداني عمر البشير الذي استعاد توًا علاقاته بالسعودية والإمارات بعد خروجه من حلف طهران قبل الأزمة الخليجية بعام، كان أمام اختبار صعب، فإما أن يُضحي بأصدقائه القُدامى -قطر- من أجل حلفائه الجُدد -الرياض وأبو ظبي-، وإما أن يعود إلى التهميش مرة أخرى في ظل حاجته إلى الدعم العربي لأزمته الداخلية، لكنه اختار الحياد سعيًا وراء مصالحه، وتبعه في ذلك أيضًا دول المغرب العربي، الأخطر من ذلك أن تلك الأزمة شكلت خطًا فاصلًا في علاقات الدول العربية ببعضها، والتاريخ يُثبت في كل مرة أن التحالفات العربية التقليدية سُرعان ما تنكسر في الأزمات الكبرى.

ما يحدث اليوم تكرر في حرب الخليج الثانية عام 1990؛ فعندما دخل الرئيس العراقي بقواته إلى الكويت، وقام بقصف السعودية وإسرائيل بالصواريخ، حدثت المفاجأة ؛ فالدول العربية انقسمت على نفسها على نحوٍ غير متوقع؛ والرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي كان الفتى المدلَّل للسعودية أيّد الغزو العراقي على الكويت، وامتنع أثناء الجلسة الطارئة لجامعة الدول العربية عن التصويت على قرار تشكيل تحالف عسكري لردع بغداد، ليس هذا فقط من غير مواقفه؛ فروسيا تخلت عن حليفها بصفقة أسلحة سعودية بلغت 4 مليارات دولار، كما تخلت مصر عن صديقها بوعدٍ أمريكيٍّ بإسقاط جزءٍ من الديون، حتَّى أنّ الرئيس السوري – آخر الأصدقاء – خذل «أبا عُديّ» وشارك في قوات التحالف.

وبالنظر إلى أبرز الأزمات التَّسع اللي ضربت المنطقة خلال عام الحصار، سنجد أنّ الأزمة الخليجية كان لها التأثير الأكبر على نزع القيادة من اللاعبين الخليجيين الرئيسيين في المنطقة – قطر والسعودية والإمارات – بداية من استمرار حرب اليمن، وانتخابات العراق وما بعدها، والمصالحة الفلسطينية، والوضع في سوريا، وأزمة احتجاز الرئيس اللبناني سعد الحريري، ونتائج الانتخابات اللبنانية، وما حدث لـجزيرة سواكن والوجود التركي على البحر الأحمر، والأزمة الليبية ومستجداتها، ومؤخرًا الوضع في الأردن والدور السعودي في إسقاط الحكومة، كل تلك الأزمات ساهمت في مزيدٍ من الخسائر والتقسيم التي استفاد منها لاعبون آخرون، ومن هنا يبدأ الجزء الثاني من التقرير.

1- حرب اليمن.. قطر خسرت دور الوسيط وأعداؤها دخلوا حقل الألغام

قبل ثورة الشباب اليمنية في فبراير (شباط) عام 2011، كانت الدوحة تلعب دور الوسيط في اليمن بين الرئيس علي عبد الله صالح وبين المتمردين الحوثيين الذي دخلوا في ستة حروب طاحنة ضد النظام اليمني منذ عام 2004 وحتى عام 2010، ولم تكن هذه الحروب لتتوقف لولا الوساطة القطرية، والتي عُرفت فيما بعد باتفاقية الدوحة، لكنّ الأدوار تبدلت بعدما استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء بمساعدة صالح أواخر عام 2014، لتقرر السعودية وقتها تشكيل التحالف العربي الذي يقول وزير الدفاع القطري عنه فيما بعد: «أجبرنا على المشاركة في عاصفة الحزم»، في إشارة واضحة لرفض الحرب.

أرسلت الدوحة ألف جندي وسربٍ من الطائرات المقاتلة، وباتت إحدى الدول التي تُقاتل الحوثيين جنبًا إلى جنب مع السعودية، ومع ذلك فقد أعلنت دول الحصار في يونيو العام الماضي إنهاء مشاركة قطر في التحالف العربي بعدما رمتها بتهم الإرهاب، خسارة كبرى للأمير تميم، لكنّ الضربة الموجعة لم تأتِ بعد؛ حزب الإصلاح اليمني المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين أيّد بيان دول الحصار ضد الدوحة، وبذلك خسرت قطر حلفائها في اليمن جميعًا.

على جانب آخر؛ كان الأمير محمد بن سلمان الذي أعلن عاصفة الحزم بعد شهرين من توليه وزارة الدفاع يطمح في إنهاء الحرب سريعًا، لكنَّ المعركة تدخل عامها الرابع وما يزال التحالف عالقًا داخل حقل الألغام، والأوضاع تتطوَّر على نحوٍ مخيف؛ سلطنة عُمان أصبحت الوسيط والمدافع عن مصالحه في نفس الوقت، وروسيا تنحاز لجماعة الحوثي ضد الرياض وتستخدم «الفيتو» ضد مشروع قرار دولي يتّهم إيران بانتهاك حظر الأسلحة في اليمن، وهو ما صبَّ في مصلحة الحوثيين، وحتى الآن لا زالت البعثة الدبلوماسية الروسية في صنعاء، كما أنها أيدت المجلس السياسي الذي شكله صالح والحوثي لإدارة المناطق التي تحت سيطرتهما، وفي النهاية يظهر الحوثيون قوةً لها ثقلها السياسي والعسكري على الأرض.

2- سلطنة عمان.. التحوُّل من الحياد إلى الحرب الباردة

كان الحياد هو السياسة المُزعجة التي طالما أغضبت السعودية والإمارات من عُمان؛ فخلال حرب الخليج الأولى عام 1980 وفي ظل وجود تأييد عربي شبه كامل للعراق لدخولها الحرب ضد إيران، كان السُلطان قابوس قد رفع راية الحياد والتجاهل، وفي عام 2011؛ عندما ظهر أن للإمارات يدًا خفية في تحريك وإشعال الاحتجاجات العُمانية ضد نظام السُلطان العجوز، قوبل الأمر بالغضب المكتوم، وتجاهل حضور اجتماعات مجلس التعاون الخليجي، لكنّ أزمة الخليجية أجبرت السُلطان على التحول من سياسة الحياد إلى خوض الحرب الباردة.

بدأت المساعي العُمانية لكسر حصار قطر أوائل العام الحالي، من خلال دعوة الرئيس المصري لزيارة مسقط من أجل تسوية أزمات المنطقة في إشارة واضحة إلى الأزمة الخليجية، وهو ما تزامن مع ما نشره موقع «الخليج الجديد»، بأنّ مصر حصلت بشكل غير مُعلن على وديعة عمانية بقيمة ملياري دولار لدعم احتياطياتها النقدية؛ ضمن تفاهمات سياسية واقتصادية بين القاهرة ومسقط، إضافة إلى دفعة ثانية بقيمة 3 مليارات دولار، جدير بالذكر أنّ القاهرة تفاوضت مؤخرًا مع كلٍّ من السعودية والكويت بشأن تمديد أجل الودائع التي حصلت عليهما قبل عامين، بقيمة 4 مليار دولار، والتي يحل أجل استردادهما العام الجاري، وبينما وافقت الكويت، لا زالت السعودية لم تحسم أمرها بعد.

وبالعودة إلى اليمن؛ فالسلطان قابوس الذي يرفض الحرب والانفصال قام بإفساد سياسات التحالف العربي في اليمن بداية من رفضه الحرب اليمنية، ثم قيامه بالتوسط بين الغرب والحوثيين معتمدًا على نفوذه في الدخول باعتباره وسيطًا موثوقًا فيه في أي اتفاق لإنهاء الحرب، وفي ضربة قاصمة قامت عمان بفتح أراضيها لاستقبال 22 شخصًا من أفراد عائلة الرئيس اليمني المقتول على عبد الله صالح؛ ليس هذا فحسب، فعُمان أيضًا دخلت حربًا شرسة مع السعودية والإمارات للاستحواذ السياسي على محافظة المُهرة الاستراتيجية والتي تشترك مع السلطنة في أكبر منفذ بري، وحتى الآن فالفائز الوحيد من تلك الحرب هو السًلطان الذي يمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع الجميع.

3- القضية الفلسطينية.. حصار قطر أثّر في خيارات حماس

كانت إحدى الأسباب المُعلنة للأزمة الخليجية ما وصفته دول الحصار في بيانها: «دعم قطر لجماعات متطرفة عدة من الإخوان إلى الحوثيين، وتأييدها لإيران في مواجهة دول الخليج»، وبعد أيام تدخل حركة حماس للقائمة بعد وصفها بالإرهاب على لسان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ليخرج قادتها سريعًا برفض الاتهامات، لكنّهم أصبحوا في ذلك التوقيت السيء جزءًا من الخلاف العربي، والحصار القطري في الوقت نفسه.

على جانب آخر كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهاجم الحركة ويتهمها بالإرهاب تزامنًا مع قيام مصر بإغلاق معبر رفح الذي لم يُفتح إلا 21 يومًا فقط العام الماضي، مما زاد في معاناة نحو مليونين من سكان القطاع في ظل قيام الحكومة الفلسطينية بقطع رواتب الموظفين، وفي تلك الأثناء قررت إسرائيل تقليص تزويد الكهرباء لمحطة توليد الطاقة في القطاع بنسبة 35%، ثم قامت الولايات المتحدة بتجميد نصف الأموال المخصصة لوكالة «أونروا» التي تقدم مساعدات للاجئين الفلسطينيين، وبدا بأنه حصار خانق.

وفي خطوة مفاجئة تقرر حماس التفاوض مع عدوها القديم محمد دحلان الذي يُقاسمها العداء للرئيس الفلسطيني محمود عباس، في يونيو الماضي التقي الطرفان في لقاءٍ غير مُعلن في القاهرة برعاية المخابرات المصرية من أجل الوصول لتسوية، وبحسب التسريبات تضمَّنت الصفقة إعادة العلاقات مع الجانبين، والقبول بدحلان رئيسًا للسلطة الفلسطينية، مقابل رفع الحصار عن القطاع، وفتح معبر رفح بشكل دائم، وتعيين عدد من قادتها وزراء في الحكومة.

مفاجأة أخرى أعلنتها الحركة التي دفعتها الأزمة الخليجة إلى الاحتماء بالحليف الإيراني، فبعد ثلاثة أشهر من الحصار القطري، قرر قادة الحركة أخيرًا الاستجابة لشروط الرئيس الفلسطيني لتحقيق المصالحة الوطنية، تمثلت في قيام حماس بحل اللجنة الإدارية، وتسليم معبر رفح لحكومة الوفاق، والاتفاق حول موعد تسليم السُلطة في القطاع إلى الحكومة، ورغم أنّ حماس جاءت مدفوعة في قراراتها من عبء إدارة القطاع في ظل أزماته الإنسانية والاقتصادية إضافة إلى الضغط العربي والدولي إلا أنها حتى الآن ترفض تسليم سلاحها.

وفي النهاية؛ قد تكون حماس اضطرت لتوقيع المصالحة الفلسطينية، والتفاوض مع دحلان، والرضوخ للضغوط المصرية؛ لم تكن الأزمة الخليجية سببا رئيسًا في المشهد، لكنها كانت عاملًا هامًا في تنازل حماس.

4- الأردن.. من مؤيد للحصار إلى «صداقة» إيران

ذكرنا أنّ الأردن سارع بتأييد دول الحصار ثم قام بتخفيض تمثيله الدبلوماسي مع الدوحة ثم أجبرته الخسائر الاقتصادية إلى إعادة العلاقات مع قطر، الأخطر من ذلك أنّ الملك عبد الله الثاني أعاد فتح قنوات اتصال مع حركة حماس بعد قطيعة منذ عام 1999، بعد إغلاق مكاتبها وإبعاد قادتها، ورغم أنّ العلاقات عادت جزئيًا عام 2012، إلا أنّ الحركة أصبحت أقرب إلى الأردن بعد أزمة الخليج، وتبادل قادتها الاتصالات مع الملك الأردني الذي رفض اعتبارهم جماعة إرهابية.

أزمة حصار قطر تبعها أزمات أخرى ألقت بآثارها السلبية على الأردن الذي أصبح لأول مرة في التاريخ خارج دائرة المفاوضات على القضية الفلسطينية لصالح السعودية التي كانت شريكًا مع إسرائيل والإدارة الأمريكية ومصر فيما بات يعرف بـ«صفقة القرن»، والتي تتضمن بنودها –حسب تسريبات– التنازل عن حق عودة اللاجئين، ووضع المقدسات تحت إشراف دولي في مقابل اتفاق سلام مع إسرائيل، وهو ما يُنهي الوصاية الهاشمية للأردن على المقدسات.

ونتيجة للسياسات الجديدة التي يفرضها التفاهم الأمريكي السعودي في المنطقة، قرر الأردن الدخول في تحالفات موازية للحفاظ على مصالحة، فرئيس مجلس النواب الأردني قد صرح بأنه: «من المهم اليوم أن يدرس الأردن توسيع قاعدة خياراته وتحالفاته، دون أن يؤثر ذلك على العلاقة مع الأشقاء في الخليج»، وهو ما اعتُبر إعلانًا جديدًا لتغيير الحلفاء التقليدين بعدما شهدت العلاقات فتورًا مع السعودية التي أوقفت مساعدات بقيمة 250 مليون دولار.

وخلال القمة الإسلامية التي استضافتها تركيا لبحث قرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بـالقدس عاصمًة لإسرائيل، ظهر الملك الأردني برفقة الرئيس الإيراني في أول لقاء من نوعه منذ 15 عامًا، وهو ما بات إعلانًا واضحًا بأن الملك الذي أيد دول الحصار دفعته السياسة إلى العودة – ربما – إلى إيران.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: