بحث فقهی… شهادة الكافر في الفقه الإسلامي

شفقنا- بحث فقهی… شهادة الكافر في الفقه الإسلامي

مقال من الشــيخ أســـد الله الحرشــي

المقدِّمة:

لا شك ولا ريب أنَّ الشهادة كوسيلة من وسائل إثبات الحقوق قد تناولها الشرع الحنيف، ببيان جوانبها وأركانها التِّي ما إن توفّرت تعتبر من أهم وسائل الإثبات الحقوقيّة، وهي على ما هي عليه في التحديدات الفقهيّة قد يشعر الباحث الإسلامي أنّه لا مجال لقيام كثير من الشهادات خصوصاً في عصرنا الحاضر حيث اختلطت التفاعلات الاجتماعية وتأثّر الإنسان المسلم في كثير من تفاصيل هذه الحياة التّي شوَّهت أو قد تشوِّه الشاهد في بعض مواصفاته بحيث يصعب معه الأخذ بها وبالتّالي إثبات الحقوق للنَّاس.

بل الأصعب من ذلك هو اختلاط البشر على اختلاف عقائدهم وتلوّناتهم الدينيّة وغير الدينيّة بحيث قد لا يجد الإنسان لإثبات حقه وسيلة، خاصةً إذا أخذنا وجمدنا على تلك الصفات التي أبرزها الفقهاء في حق الشاهد، مع أنّ حقوقه هذه قد يشهد عليها عشرات النَّاس الذين ليسوا على دين ومذهب هذا الإنسان بل قد لا يملكون ديناً على الإطلاق.

ومن هنا حاولنا بهذه المطالعة الفقهيَّة أن نلقي الضوء على مسألة مهمّة من مسائل الشهادة وهي مسألة شهادة الكافر وهل هناك من تخريج مقبول لها في الفقه الإسلامي؟ المبني على أساس الاجتهاد والتوسعة في الشريعة الإسلاميّة القائمة فقط في هذا المجال على أساس الدّليل اللّفظي من القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة الشريفة، دون الدَّليل العقلي، حيث لا تلازمات عقليَّة في أمثاله مضافاً إلى بحث بعض الموارد التي ترتبط بالمسألة من باب أو من آخر ومعه لا بدَّ من الوقوف على المقصود من كل كلمة في هذا العنوان وما يقصد منه في الشَّريعة الإسلاميّة لكي نخرج بخلاصة واضحة تتميَّز فيها الأحكام من مورد لآخر وعلى الله الاتكال:

ما المراد بالكافر؟

الكافر لغة:

الكفر: نقيض الإيمان، {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ} والكفر: هو الجحود، يقال رجل كافر أي جاحد وهو مأخوذ من السَّتر، وقيل لأنَّه مغطَّى على قلبه ولهذه الكلمة استعمالات كثيرة في القرآن الكريم واللُّغة ومرجعيتها في كل هذه الاستعمالات ذاك المعنى اللُّغوي وهو التَّغطية على شيء وستره وكأنَّ الكافر يستر على عقيدة الحق التي فطر عليها ويختلف ذلك باختلاف الأحوال.

الكافر في المصطلح القرآني:

ورد في الكافي عن الزبيري عن الصَّادق (ع) قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عزَّ وجل، قال:>الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البراءة، وكفر النعم<.

فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية وهم الذين يقولون: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ} ! وهو دينٌ وضعوه لأنفسهم بالاستحسان على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشئ مما يقولون ، قال الله عز وجل: {إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ}(

[1]).إن ذلك كما يقولون، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}([2])، يعني بتوحيد الله تعالى . فهذا أحد وجوه الكفر .

وأما الوجه الآخر من الجحود: فهو الجحود على معرفة، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده ، وقد قال الله عز وجل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}([3]) !وقال الله عز وجل: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}([4])، فهذا تفسير وجهي الجحود .

الوجه الثالث من الكفر: كفر النعم وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان عليه السلام : {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}([5]). وقال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}([6])، وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}([7]).

الوجه الرابع من الكفر: ترك ما أمر الله عز وجل به وهو قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. فكفَّرهم بترك ما أمر الله عز وجل به ، ونسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده ، فقال: { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ([8]).

الوجه الخامس من الكفر: كفر البراءة وذلك قوله عز وجل يحكي قول إبراهيم عليه السلام: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَه ُ}([9]). يعني تبرَّأنا منكم.

وقال تعالى: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}{[10]}. يعني يتبرأ بعضكم من بعض([11]).

ورغم أن ما ورد من تفصيل في هذه الرِّواية واضح المعالم إلا أنَّه لا بأس بمزيد من التَّدقيق من خلال استعراض مجموعة من الآيات القرآنيّة الكريمة التي نستطيع أن نصنّف أكثر في أفراد ومصاديق الكفر والكافرين.

ميزان الكفر قرآنياً:

من الواضح لدى جميع المسلمين أن كل من نطق بالشهادتين: >أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله< هو مسلم ولا يخرج من الإسلام إلا إذا أنكر أحد الشقَّين وإنكار أحدهما تارة يكون صريحاً وأخرى يكون بلوازمه ومن هنا نستعرض بعض الآيات تأتي توضح لنا ذلك.

1.      الشرك الكفر: قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}{[12]}

حيث توضِّح الآية الكريمة أنَّ الشِّرك بالله هو سبب للكفر بل هو الكفر بعينه بل رأس الكفر.  ومن هذا المورد جعل الشَّريك لله بولد أو غيره.

قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}([13])، وقال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ}([14]).

2.      إنكار الله والرَّسول كفر: قال تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}([15]).

وقال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً}([16]).

حيث توضح الآيتان أن سبب كفر هؤلاء هو إنكار الله وإنكار الرَّسول وأنَّه ليس مرسلاً.

3.      إنكار الرِّسالة كفر: قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}([17]).

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}([18]).

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}([19]).

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}([20]).

حيث توضح الآيات الكريمة أنَّ مقالة هؤلاء عن الرِّسالة والقرآن الكريم بأنَّه سحر أو ألغوا فيه أو صدُّوا عن سبيل الله وشاقوا الرَّسول، ولا محالة فيه الكفر الإنكاري للرِّسالة التي جاء بها محمد (ص) من عند الله.

4.    إنكار الله والملائكة والرّسل واليوم الآخر كذلك كفر: قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا}([21]).

وقال تعالى: { وأمَّا الذين كفروا وكذّبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون }[22].

5.       عدم الحكم بما أنزل الله كفر: قال تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }[23].

والخلاصة إنَّ ما يصدق عليه الكفر في وجهة النظر القرآني وعلى أساس عقائدي لا يعدو ما أوردناه وكل ما حام حوله يعود إليه وهو أن الكفر عقائدياً إنما يصدق على كل من يحمل الصفات التالية:

1. الشرك، 2. إنكار الله والرَّسول، 3. إنكار الرِّسالة، 4. إنكار الملائكة والرُّسل وكتبهم واليوم الاخر، 5. عدم الحكم بما أنزل الله.

ولا شك أنَّ تتبُّع الآيات القرآنية الواردة في هذا الشأن تشمل حتى أهل الكتاب حيث تؤكد الآيات على كفرهم منها:

قوله تعالى: : { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربِّكم وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربِّك طغياناً وكفراً فلا تأسُ على القوم الكافرين }[24].

{ ألا إنَّ لأهل الكتاب أحكاماً خاصَّة بهم تختلف من حال الحرب إلى أحوال أخرى في المسار والتفاعل الإجتماعي، وقد مدحهم القرآن في بعض الحالات وخصوصاً أولئك الذين قالوا إنّا نصارى }.

ومنها قوله تعالى: { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون }[25].

ومنها قوله تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكِّين حتى تأتيهم البيِّنة}[26].

وهناك آيات كثيرة مما لا يدع الشك في دخول أهل الكتاب في إطار الكافرين، وإن أخذوا أحكاماً خاصَّة بهم تختلف من حال الحرب إلى أحوال أخرى في المسار والتفاعل الاجتماعي وأثار فيهم حالة الرَّحمة التِّي يحملونها في بعض منهم وخصوصاً أولئك الذين قالوا بأنَّهم نصارى، كما أثارت فيهم ما يعتقدونه من الإله الواحد دون ان يشوبه شيئٌ من عقائدهم، قال تعالى:{  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتَّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولُّوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون }[27]

وقال تعالى: { لتجدنَّ أشدَّ النَّاس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون *وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشَّاهدين }[28].

حيث نرى أنَّ الآية الأولى تبرز أنَّ هناك قاسماً مشتركاً في قضيَّة الإله الواحد كما تبرز في الآية الثانية ما يحمله النصارى من أهل الكتاب من مودَّة لأهل الإيمان والإسلام، وكيف أنَّهم يحملون حالة التواضع في قلوبهم وكيف تذرف أعينهم الدَّمع حينما يذكر الحق أمامهم لما يعرفونه من ذلك ويردِّدون في أنفسهم ربَّنا آمنَّا فاكتبنا مع الشَّاهدين.

هذا على المستوى الفهم القرآني ولكن هذا الفهم هل ينسحب على ما ورد في السُنَّة النبويَّة الشّريفة والفهم الفقهي الذي فهمه الفقهاء وعلماء هذه الأمَّة. هذا ما سنستوضحه في بحثنا التَّالي.

الكافر في رأي الفقهاء:

لم تختلف عبائر الفقهاء في المراد من الكافر إلا في المصاديق بعض الشَّيء.

قال صاحب العروة الوثقى: { والمراد بالكافر: من كان منكراً للألوهيَّة، أو التَّوحيد، أو الرِّسالة، أو ضروريّاً من ضروريات الدِّين مع الإلتفات إلى كونه ضروريّاً، بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرِّسالة }[29] .

وعلَّق الشهيد السَّعيد السيد محمد باقر الصدر على ذلك بقوله:

>وتفصيل الكلام في ذلك: إنَّ من آمن بالمرسل والرَّسول والتزم إجمالاً بهذه الرِّسالة فهو مسلم حقيقة، ونريد بالتزامه الإجمالي: إيمانه بأن كل ما يحتمل أو يظن أو يقطع باشتمال الرِّسالة عليه فهو حق إذا كانت الرِّسالة مشتملة عليه حقاً، أي الإيمان بهذه القضيَّة الشَّرطيَّة بطلان شيء ما في حدود الأشياء التِّي يحتمل أو يعتقد باشتمال الرِّسالة عليها، فمن يرى ويحتمل أو يعتقد في نفس الوقت باشتمال الرِّسالة عليه فهذا يعني أنَّه على الأقل يحتمل فعلاً بطلان الرِّسالة، وأما من يرى بطلان حسن الظلم حتى لو حسنته الشريعة، وهو قاطع في نفس الوقت بعدم تحسين الشريعة له، فهو مؤمن فعلاً بالشريعة.

واعتبار أي قيد زائد في الإسلام على ما ذكرناه يعتبر تعبّدياً وبحاجة إلى دليل. }[30].

وقد أضيف إلى ذلك قيدان أولهما الإيمان بالمعاد. والثاني ألا يكون منكراً لضروري من ضروريات الدِّين. وقد استدلَّ على الأوَّل ببعض الرِّوايات والآيات التي لا تنهض على إثباته، كما استدلَّ على الثاني بعد تقسيم المنكر للضروري إلى قسمين: ما كان إنكاره مؤدياً إلى إنكار الرِّسالة وهذا لا شكَّ في كفره فيما إذا كان ملتفتاً إلى الملازمة بين الرِّسالة والضروري بحيث يؤدي إنكاره إلى إنكار الرِّسالة، وبين من لم يكن ملتفتاً إلى ذلك فكفره يحتاج إلى دليل ولا دليل ينهض على أن إنكار الضروري إنكار للرِّسالة فلا يقال بكفره.

وإلى ذلك ذهب صاحب {الجواهر} قال:

” إذ ضابطه من خرج عن الإسلام بأن وصف غيره ولو بالإرتداد أو من انتحله ولكن جحد ما يعلم من الدِّين ضرورة كالخوارج والغلاة. وتحقق الكفر بالأول إجمالي أو ضروري بل وبالثاني أيضاً بناءاً على أنَّ سببيَّة الكفر لاستلزامه إنكار الدِّين، وإلا فلا دليل على تحقق الكفر به لنفسه، ومن هنا لم يحكم بالكفر بانكار جديد الإسلام وبعيد الدَّار ونحوه بل وكل من علم أنَّ إنكاره لشبهةٍ، بل قيل وكل من احتمل وقوع الشبهة في حقه لعدم ثبوت الإستسلزام المذكور في شيء منها الذي هو المدار في حصوله، ولذا لو تحقق ولو بإنكار غير الضروري كالمقطوع به بالنظر حكم بكفر منكره أيضاً مع فرض قطعه به، ولعلَّ مرادهم بالضروري ما يشمل ذلك على إرادة اليقيني ولو بالبرهان “[31].

وعلَّق السيِّد الحكيم في مستمسكه على ما ورد في العروة الوثقى بقوله:

بلا خلاف ولا إشكال، فإنَّ الجميع داخل في معاقد الإجماعات ولكون الثَّاني هو المشرك والأوَّل أسوء منه، وأمَّا الثالث فظاهر جماعة من الأعيان أنَّه من المسلَّمات.

وقد استُدل على ذلك بعدة روايات منها:

مكاتبة عبد الرَّحيم القصير: ” قال عليه السلام: ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والإستحلال بأن يقول للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال “[32]

ومنها: صحيح الكتاني عن أبي جعفر عليه السلام قال فيه: >فما بال من جحد الفرائض كان كافراً<[33].

ومنها حديث عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك عن الإسلام “[34].

سألته عن أدنى ما يكون به العبد مشركاً. قال عليه السلام: من قال للنواة إنها حصاة، وللحصاة إنها نواةٌ ثمَّ دان به “[35].

إلا أنَّ هذه الرِّوايات لا تصلح للدلالة على المطلوب إمَّا لأنَّها مقيَّدة بالجحود الذي يفيد أن المنكر لا بد ان يكون عالماً بما ينكره ليكون كافراً لا مطلق الإنكار أو لأنَّها مطلقة لا يمكن الأخذ بإطلاقها الشامل للضروري وغيره.

والخلاصة: إن الرِّوايات لم تكن صريحة واضحة بالنسبة لمنكر الضروري خصوصاً إذا كان ذلك لشبهةٍ هل هو كافر أم لا؟ حيث ذهب البعض للقول بكفره، وآخرون اشترطوا العلم بالملازمة بين إنكار الضروري وأنّه يكون إنكاراً للرسالة. هذا كله في الأحكام العلميَّة والتي يجب فيها العمل دون الإعتقاد وأما الأمور التي يجب الإعتقاد فيها فإنَّ منكرها لا يعد كافراً سواء كانت ضروريَّة ام لا، إلا مع قيام دليل عليها وأنّه يجب الإعتقاد بها تفصيلاً فإنَّ منكرها يعدّ كافراً.

نعم يمكن أن يقال: أنّ من تولَّد في بلد إسلامي حتى شاب على ذلك فإنّ إنكار الضروري في مثل هكذا بيئة لا شك أنه يكون إنكاراً للرسالة، وبالتالي منكر للرِّسالة كافر. وذلك لإتضاح الضروري عنده وعلمه بذلك.

كفر الخوارج والنواصب:

هذا وقد ذهب البعض من الفقهاء إلى القول بكفر كلٍ من الخوارج وهم الَّذين قاتلوا علياً وخرجوا عن بيعته، والغلات هم الّذين غالوا في الأئمة أو غيرهم حتى وصلوا بهم إلى مرتبة الألوهيَّة وأضاف آخرون النواصب وهم الّذين نصبوا العداوة والبغضاء لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله.

وقد استدلَّ على ذلك بالمرسل عن النبي صلى الله عليه وآله في وصفهم : ” إنَّهم يمرقون من الدِّين كما يمرق السَّهم من الرَّامي وكما عن الفضل: دخل على أبي جعفر عليه السلام رجل محصور عظيم البطن، فجلس معه على سريره فحيَّاه ورحَّب به، فلما قام قال: هذا من الخوارج كما هو، قال: قلت: مشرك، فقال: مشرك والله مشرك “[36].

وأما الغلاة فقيل بكفرهم بإنكار الضروري، حيث ادعوا أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام مثلاً هو الصانع فانكروا ما علم بطلانه بالضرورة من الدِّين.

إلا أنَّه بعد التأمُّل فالقول بكفرهم يمكن التشكيك فيه خصوصاً إذا كانوا ينطقون بالشهادتين حيث لا يخرج عنه إلا بدليل واضح وجلي وحينئذٍ يكون القول بكفرهم من باب المبالغة أو المجاز.

فقد ورد في الخبر: ” الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتَّصديق برسول الله صلى الله عليه وآله وبه حقنت الدِّماء وعليه جرت المناكحة وعلى ظاهره عامَّة النَّاس “[37].

وقريب منه خبر آخر: ” الإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة النَّاس من الفرق كلِّها وبه حقنت الدِّماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح “[38]. نعم إذا كانوا يعتقدون بمثل ذلك عن انتباه والتفات وأن هذا مخالف للواقع والحقيقة فلا شك بكفره حيث ينسب للخلق ما هو من صفات الخالق.

الكفَّار ثلاثة أصناف:

أحدها: الكتابيون، والمراد بهم اليهود والنصارى.

الصنف الثّاني: من لا كتاب ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والشمس والنّجوم والمعطِّلة والزنادقة والباطنيَّة والمعتقدين مذهب الإباحة.

الصنف الثَّالث: من لا كتاب لهم لكن لهم شبهة كتاب وهم المجوس. وهل كان لهم كتاب؟ وفيه قولان أشبههما: نعم “[39]

الرِّدَّه: هي من أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكماً.

وحقيقتها وهي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارةً بالقول الذي هو كفر، وتارةً بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر وهي التِّي تصدر عت تعمُّد أو استهزاء بالدين صريح، كالسجود للصَّنم أو للشمس وإلقاء المصحف بالقاذورات والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها.

وقال المتولي: من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصَّانع أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع، ككونه عالماً قادراً أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الإتِّصال والإنفصال كان كافراً. وكذا من جحد جواز بعثة الرُّسل، أو أنكر نبوَّة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أو كذَّبه، أو حجد آيةً من القرآن الكريم مجمعاً عليها، أو زاد في القرآن كلمة واعتقد أنَّها منه أو سبَّ نبيًّا أو استخفَّ به، أو استحلَّ محرماً بالإجماع كالخمر والزنى واللِّواط أو حرَّم حلالاً بالإجماع، أو نفى وجوب مجمع على وجوبه كركعة من الصلوات الخمس أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع مدعيًّا لها، أو عظَّم صنماً بالسُّجود له، أو التقرُّب له بالذَّبح باسمه فكل هذا كفر. وعلَّق على ذلك أنَّ لأمر ليس على إطلاقه إلا إذا كان وجوب هذا الشيء و أو حرمته ضرورياً من ضروريات الدِّين الإسلامي.[40]

هذا وقد تعرَّض الفقهاء إلى بعض فروع المسألة كالقول بكفر المجبِّرة أو المفوِّضة، أو المجسِّمة وفي ذلك تفصيلات لا داعي للتعرَّض لها إما لإنقراض القائلين بذلك أو للشك في كفرهم فنبقى نحن والقاعدة الكلِّيّة التي تثبت كونهم مسلمين وكفرهم يحتاج إلى دليل واضح ولا دليل.

نعم إنَّ من يقول بعبادة الأوثان والأصنام والنَّار ونحو ذلك بحيث أنَّهم لا يقولون بألوهية الله تعالى كل ذلك يكون من مصاديق الكفر الذين تترتب عليه الأحكام المناسبة.

وعلى هذا فإننا يمكن أن نخلص إلى القول أنَّ من ثبت كفره هل يكون كفره هذا مانعاً له من الشهادة أم لا؟ ومن لم يثبت كفره فإنَّه يكون خاضعاً لمعادله التعديل والتّجريح في إطار المواصفات التي يشترطها الشَّرع الحنيف.

موقف لا بدَّ منه:

ومن خلال ما تقدَّم، ومن خلال إطلاعنا على تفاصيل المذاهب الإسلاميّة التي ينتمي إليها عامة المسلمين والتي هي: المالكي والشافعي والحنبلي والحنفي والمذهب الجعفري والمذهب الزَّيدي والمذهب الأباضي والمذهب الظاهري فإن كل من ينتمي إليها فهو مسلم ولا يجوز تكفيره ويحرم ماله ودمه وعرضه، ووفقاً لما جاء في فتوى فضيلة شيخ الأزهر، لا يجوز تكفير أصحاب العقيدة الأشعريّة، ومن يمارس التصوّف الحقيقي وكذلك لا يجوز تكفير أصحاب الفكر السَّلفي الصحيح، هذا وقد أجمع كبار الباحثين في الفكر الإسلامي ومنهم مراجع الدين العظام للمذاهب الإسلاميّة كلِّها على أنَّه لا يجوز تكفير أي فئة أخرى من المسلمين تؤمن بالله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وأركان الإيمان وتحترم أركان الإسلام ولا تنكر معلوماً من الدين بالضرورة.

وقد جاء في بيان ختامي لمؤتمر إسلامي واسع عقد في عمّان عاصمة المملكة العربيَّة الهاشميَّة سنة 2006م وبحث ما يدور في فلك التكفير، والموجة التي قد يطلقها البعض من دون الاستناد إلى دليل وإنما قد تحكمه العصبيَّة المذهبيَّة التِّي لا مبرِّر لها على الإطلاق جاء فيه:

>إنَّ ما يجمع بين المذاهب أكثر بكثير مما بينها من الاختلاف، فأصحاب المذاهب الثمانيَّة متَّفقون على المبادئ الأساسيَّة للإسلام، فكلُّهم يؤمن بالله سبحانه وتعالى واحداً أحداً وبأنَّ القرآن الكريم كلام الله المنزل، وسيِّدنا محمد صلى الله عليه وآله نبي ورسول للبشريَّة كافَّةً، وكلهم متفق على أركان الإسلام الخمسة: الشهادتين، والصلاة والزكاة، وصوم رمضان وحج البيت، وعلى أركان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرُّه. واختلاف العلماء من أتباع المذاهب هو اختلاف في الفروع وليس في الأصول وهو رحمة<.[41]

قال تعالى : { إنَّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتَّقوا الله لعلَّكم ترحمون }[42]

ومن هنا نقول أنَّه لا يجوز السَّير في الفتوى إلا لمن كان أهلاً لذلك، ومن يكون أهلاً لها لا يصدر عنه أي فتوى بالتَّكفير إلا بعد التثبُّث الدَّقيق بالخروج عما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله ميزاناً للإسلام وعليه تجري المناكح والمواريث وتحترم الدِّماء والأعراض وهو شهادة ألا إله إلا الله وأن َّ محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن هنا فلا بدَّ من التَّقوى والإبتعاد عن كل ما يفرق المسلمين ويشرذمهم ويوهن قوتهم فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذِ؟ قال: بلى أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاد السَّيل ولينزعن الله من صدور عدوِّكم المهابة منكم وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدُّنيا وكراهية الموت “[43].

نعم لا بد من الالتزام بأمر الله العظيم كما في قوله تعالى:

{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }[44].

وهذا هو رأي أئمة المذاهب كلِّها حيث ورد: ” إنَّه لا يكفّر المسلم بما يبدر منه من ألفاظ الكفر إلا أن يعلم المتلفظ بها أنَّها كفر، قال صاحب المحيط: وهو قول أبي علي الجبائي ومحمد “بن الحسن” الشافعي “[45].

وقد روى البخاري عن أنس بن مالك، قال: ” قال رسول الله صلى الله عليه وآله، من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا وما تخفروا والله في ذمته “[46].

وروى البخاري أيضاً أنَّ أنساً سُئل: ” يا أبا حمزة ما يحرم دم العبد وما له؟ فقال: من شهد ألا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلَّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو مسلم، وله ما للمسلم، وعليه ما على المسلم “[47].

ويؤيِّد ذلك عمل الصَّحابة رضوان الله عليهم: ” أنهم لم يكفِّروا الخوارج كما ورد ذلك عن علي عليه السلام وسعد بن أبي وقاّص وغيرهما. وقال إبن الزبير: وعدم تكفير علي للخوارج ثابت من طرق وكذلك ردُّه لأموالهم ثابت من طرق، وعن جابر أنه قيل له: هل كنتم تدعون من أهل القيلة مشركاً أحداً من أهل القبلة مشركاً قال معاذ الله!! ففزع لذلك . قيل هل كنتم تدعون أحداً منهم كافراً؟ قال: لا.”[48]

وعدم التكفير مع الشُّبهة مما ذهب إليه الحنفيَّة والمالكيَّة والشَّافعيَّة و الحنابلة: ” فقد روى الطحَّاوي وهو أحد علماء الحنفيَّة أنَّه قال: لا يخرج الرجل عن الإيمان إلا جحود ما أدخل فيه وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا ألا يبادر بتكفير أهل الإسلام . {جامع الفصولين} وهو من كتب الحنفيَّة. وقال محقق الحنفيَّة كمال الدِّين بن الهمَّام: ” يقع في كتاب أهل المذهب تكفير كثير، ولكنَّه ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء “[49].

وأما عند المالكية فقد ورد عن الشاطبي وهو من أئمتهم: ” فقد ذكرني ” الإعتصام ” أهل الأهواء والبدع المخالفين للأمَّة من الخوارج وغيرهم فقال: وقد اختلفت الأمَّة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النَّظر، ويحسب في الأثر، عدم القطع بتكفيرهم، والدَّليل عليه عمل السَّلف الصالح فيهم “[50].

وأما الشافعيّة فقد قال النووي في شرح مسلم: ” إعلم أن مذهب أهل الحق: أنَّه لا يكفِّر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفِّر أهل الأهواء والبدع {الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم} وأن من حجد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردَّته وكفره، وإلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة “[51].

وأما الحنابلة: يقول شيخ الإسلام إبن تيميَّة: ولا يجوز تكفير المسلم بذتب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القيلة .”[52].

ولو أردنا نقل الآراء للفقهاء من الشِّيعة والسُّنة لطال بنا المجال وإنما أخذنا عيِّنة معيَّنة وعليها فليقس ما سواها، فإن عملية التكفير مسألة خطيرة جداً ولو أردنا الإنزلاق في ذلك لما يقي مسلم على وجه هذه الأرض إلا وكفِّر من آخرين لكن نقول عصمنا الله من الخطأ والزلل وقد علَّمنا أن ندعوه بهذا الدعاء المبارك العظيم في كتابه الحكيم : { ربَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربَّنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به واعفو عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين }[53].

الشَّهادة:

وقبل البحث في شهادة الكافر لا بأس بالحديث عن الشهادة لجهة المعنى اللّغوي أو الشَّرعي وبالتَّالي الدَّليل على شرعيَّة الشَّهادة.

المعنى اللغوي: الشَّهادة لغة الحضور ومنه قوله تعالى: { قمن شهد منكم الشَّهر }[54]. أو العلم الّذي عبَّر بعضهم عنه بالإخبار عن اليقين، وعلى ذلك سمِّي تعالى شهيداً أي عليماً.

المعنى الشّرعي: هي إخبار جازم عن حق لازم لغيره واقع عن غير حاكم، والمرجع فيها العرف الذي يصلح فارقاً بينها وبين غيرها من الأخبار.[55]

وهو ما ذهب إليه معظم الفقهاء سابقاً ولاحقاً وقد استدلَّ على ثبوت الشّهادة في الشَّريعة الإسلاميَّة كمصدر من مصادر ثبوت الحكم حيث القضاء بالأدلَّة الثلاثة:

1/ الإجماع: حيث أجمع فقهاء الإسلام على اختلاف مذاهبهم بمشروعيّة الشّهادة وأنَّها حجَّة في إثبات الحقوق لأهلها.

2/ بالكتاب الكريم ومن ذللك الآيات القرىنيّة الكريمة:

قوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم }[56]

وقوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً”[57].

وقوله تعالى: { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنَّ أربعةَ منكم }[58].

وقوله تعالى: { والذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء }[59].

وقوله تعالى: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء }[60].

وقوله تعالى: { لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء }[61].

وقوله تعالى: { وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشَّهادة لله }[62].

3/ بالسنة: والرِّوايات في ذلك كثيرة حيث بلغت حدِّ التواتر التي يقطع فيها الفقيه بمشروعيَّة الشَّهادة والتي توافقت مع القرآن الكريم النص المحكم الصَّريح في ذلك ومع ذلك لابأس بذكر بعض هذه الرِّوايات، والتي تختلف ألسنتها، حيث تناول بعضها أصل الشهادة، وبعضها وضوح ما يشهد به الشاهد، وبعضها في صفات الشاهد الذي نقبل أو لا نقبل شهادته وفي الموارد التي تختص بشهادة الرِّجال أو النِّساء أو شهادتهم منفردين مع اليمين، أو شهادة الرجال مع النساء ونحو ذلك. حيث سنورد بعض الرِّوايات التي تدل على أصل الشهادة وتشريعها والباقي سيأتي في التفاصيل:

منها: ما رواه أبي الصُّباح عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى : { ” ولايأب الشهداء إذا ما دعوا “، قال: لا ينبغي لأحد إذا دعي إلى شهادة ليشهد أن يقول: لا أشهد لكم عليها }[63].

ومنها: ما رواه جراح المدايني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ” إذا دعيت إلى شهادة فأجب “[64]

ومنها: ما رواه محمد بن الفضيل قال العبد الصالح عليه السلام: ” لا ينبغي للّذي يدعى إلى الشهادة أن يتقاعس عنها “[65].

ومنها: ما رواه جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر بها دم إمرىءٍ مسلمٍ أو ليزوي بها مال امرىءٍ مسلم أتى يوم القيامة ولوجهة ظلمة مدَّ البصر وفي وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه ونسبه، ومن شهد شهادة حق ليحيى بها حق امرىءٍ مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه نور مدَّ البصر تعرفه الخلائق باسمه ونسبه، ثمَّ قال أبو جعفر عليه السلام: ألا ترى أنَّ الله عزَّ وجل يقول: ” وأقيموا الشَّهادة لله “}[66]. وهكذا فالرِّوايات كثيرة في هذا الباب والتي تؤكِّد مشروعيَّة الشَّهادة ووجوب أدائها وحرمة كتمانها.

خصوصيَّة الشَّهادة:

إذا تتبعنا ما ورد من روايات في بيان ميزات الشَّهادة وسواء  كان على مستوى شروط الشَّاهد الدَّقيقة أو على مستوى ما يصير به الشاهد شاهداً أو على مستوى تشريع الشَّهادة لأمكننا أن نستخلص أنَّ للشَّهادة خصوصيَّة خاصَّة في مجال الأحكام إذ تعتبر الرُّكن الأساس في إثبات الأحكام وصدورها وأنَّه لا ينتقل إلى غيرها إلا إذا تخلّفت كل الميزات التي يجب أن تتوفَّر فيها، ومن هنا يمكن أن نستخلص تلك الخصوصيات التِّي تتميَّز بها:

منها: قيامها عن علم، قال تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم }[67]، وقال تعالى: { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون }[68].

وقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام كما في رواية الصَّدوق ” قال: لا تشهدنَّ بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفَّك “[69].

وكذا في مرسلة المحقِّق عن النبي صلى الله عليه وآله وقد سُئل عن الشهادة قال: ” هل ترى الشّمس؟ على مثلها فاشهدو أو دع “[70].

ومنها: تعتبر الشهادة من الأدلَّة اللَّفظية التي تخضع في فهمها وفاعليتها إلى دلالة اللّفظ حسب موازين اللّغة والفهم العرفي لها، لأنّها إدلاء بلفظ.

ومنها: باعتبار أنها إخبار فإنَّ الأخبار لا يعتبر في نفسه أو الإنضمام إلى غيره حجَّة إلا إذا كان عن حسٍ ومشاهدة، لعدم الدليل على غير ذلك.

ومنها: أَّنها الشَّهادة إذا استكملت عناصرها تفيد الإطمئنان بمؤداها.

ومنها: أن حجيتها ليست ذاتية عقليَّة وإنما تصبح كذلك بما قرَّره الشَّرع وانّها حجّة لأنَّ غاية ما تفيده هو الظَّن والظَّن ليس بحجَّة كما قرَّر في محلَّه إلا ما قام عليه الدليل.

شرائط الشَّهادة:

ذكر الفقهاء شروطاً تتعلَّق بالشاهد وأخرى بنفس الشهادة لكي يتسنى للمرء أن يدلي بشهادته:

أمّا الأولى: فقد ذكر أنه يشترط فيه ستة شروط:

1/ البلوغ فلا تصحًّ شهادة الصبي إلا في موارد خاصَّة وليس هي مورد بحثنا.

2/ كمال العقل فلا تصح شهادة المجنون ونحوه.

3/ طهارة المولد فلا تصح شهادة ابن الزِّنا.

4/ العدالة فلا تصح شهادة الفاسق.

5/ ارتفاع التُّهمة، فلا تصح شهادة من يتَّهم بشهادته.

6/ الإسلام، فلا تصح شهادة غير المسلم وهو محل البحث كما سنتناوله إن شاء الله وقد أضاف فقهاء أهل السُّنَّة شرطاً آخر وهو شرط الحرِّية وإليه ذهب كثير من فقهائنا أيضاً وقالوا لعدم صحَّة شهادة المملوك ذكراً كان أو أنثى. قال في روضة الطالبين للإمام أي زكريَّا يحيى بن شرف النووي الدمشقي. ” الباب الأول: فيما يفيد أهليَّة الشَّهادة ولها شروط. منها: التَّكليف، والحرِّية، والإسلام فلا تقبل شهادة صبي ولا مجنون ولا من فيه رق، ولا كافر ما، سواء شهد على مسلم أو كافر.

وشرط الإسلام هذا إذا كانت الشَّهادة لمسلم أو على مسلم هو مما أجمع عليه فقهاء المسلمين عامِّهم وخاصِّهم واستثنوا من ذلك شهادة الذِّمِّي خاصَّة في الوصيَّة. إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها، إستناداً لقوله تعالى:

{ يا أيُّها الَّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيَّة إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابنكم مصيبة الموت تحسبونهما من بعد الصَّلاة  فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنَّا إذاً لمن الآثمين }[71].

فقالوا: بأنَّ ظاهر الآية تسوِّغ شهادة إثنين من أهل الذِّمَّة عدول في ملَّتهم في الوصيَّة خاصَّة لأنَّها مورد النَّص، شرط أن يكون ذلك في حال السَّفر بقرينه {إن أنتم ضربتم في الأرض}، وشرط أن يحبسان بعد الصَّلاة ليقسمان اليمين الخاصَّة الواردة في الآية. واستند لمثل هذا التَّفسير بالرِّوايات الواردة في بيان التفاصيل منها: حسنة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله عزَّ وجلَّ: ” {أو آخران من غيركم}. قال إذا مات الرُّجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيَّة “[72].

ومنها رواية حمزة بن عمران عنه عليه السلام قال: ” سألته عن قول الله عزَّ وجلّ: ” ذوي عدل منكم أو آخران من غيركم ” فقال: اللَّذان منكم مسلمان واللَّذان من غيركم من أهل الكتاب، قال: فإنَّما ذلك إذا مات الرَّجل المسلم في أرض غربة، فطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيَّة فلم يجد فيشهد على وصيَّته رجلين ذميَّين من أهل الكتاب مرضيَّين عند أصحابهما “[73].

وقد نوقش هذا الإستدلال أولاً بضعف الرِّواية الثانيَّة سنداً بحمزة بن حمران. وثانيّاً: بعدم إشتراط الموصي في حال السَّفر وإن ذكرت الآية ذلك بحمل السَّفر على الأغلب في عدم وجود شاهدين عدلين مسلمين، وعليه حتى لو كان المسلم في الحضر ولم يجد عادلين مسلمين جاز أن يُشهد عادلين من أهل الكتاب. وثالثاً: عدم اشتراط كونهما من أهل الكتاب، لإطلاق الآية ولحسنة هشام بن الحكم والتي يقول فيها : ” لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيَّة } ومن ليس بمسلم يشمل الكتابي وغيره. ورابعاً: بعدم اشتراط فقدان عادلين مسلمين، بمعنى أنَّه لو وجد مسلمان غير عادلين مع وجود أهل الكتاب فيقدَّم المسلم الغير العادل اللَّذين لا يستند فسقهما إلى الكذب وهو قول العلامة في التَّذكرة، ويضعِّف باستلزامه قبولهما أي الفاسقين بغير الكذب عند عدم عدول المسلمين في غير الوصيَّة أيضاً، وهو خارج وهو خارج عن المتَّفق عليه وهو قبول قولهما { الذمِّيات والكتابيان } في موضع الوصيَّة فقط. فضلاً عن أنَّه قياس باطل لعدم معرفة العلَّة في الحكم.

أدلَّة المانعين:

هذا قد استدلَّ المانعون على عدم قبول شهادة الكافر حتَّى لو كان ذميّاَ في غير الوصيَّة، على المسلم 1. بقوله تعالى: ” واستشهدوا شاهدين من رجالكم ” فإنَّ المتبادر منها خصوص المؤمن العادل. وكذلك بقوله تعالى: ” ممَّن ترضون من الشُّهداء ” والكافر غير مرضي الدِّين بلا شك ولا ريب، فلا يدخل في إطلاق ما دلَّ على شهادة المسلم من الرِّوايات فضلاً عن كونه معارضاً بالإطلاقات الدالَّة على عدم قبول شهادة الكافر. من الرِّوايات المتقدِّمة وغيرها. وهو ما ذهب إلى القول به الحنابلة، قال في الإقناع للحنابلة وهو بصدد بيان شرائط الشَّاهد: الرابع: الإسلام، فلا تقبل تقبل شهادة كافر ولو كان من أهل الذمَّة ولو على مثله، إلا رجال اهل الكتاب بالوصيَّة في السَّفر، ممَّن حضره الموت من مسلم وكافر عند عدم مسلم، فتقبل شهادتهم في هذه المسألة فقط.

2. كما استدلَّ المانعون بأن الكافر ظالم لنفسه بانحراف عقيدته، فكيف يصدر الحكم العدل منهم حيث أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه وهذا الأمر ينجر بكل تفصيلاته على المجوس كما ورد ذلك في خبر يحيى بن محمد عن الصَّادق عليه السلام حيث قال: ” فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سنّوا بهم سنَّة أهل الكتاب “[74].

هذا كلُّه إذا كانت الوصيَّة بالمال، فالمتَّفق عليه إذاً قبول شهادة الذَمي في الوصيَّة دون غيرها وأمَّا مطلق الكافر فلا تقبل شهادته للإجماع.

3. وقد استدلَّ البعض على المنع بقوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا }[75]. بتقريب إنَّ شهادة الكافر، مطلقاً سواء كانت في المال أو الولاية، على المسلم فيها نحو من السبيل عليه، وهو منفي بالنَّفي المؤبَّد بالآية، وسواء كان هذا السَّبيل عفوياً، أي كان الشَّاهد الذمي موجوداً حين الحدث وسمع ورأى وإن لم بجعل شاهداً، أو كان يجعل الحاضر له كذلك للإطلاق في الآية إلا ما أخرجته الأدلَّة في الوصيَّة وقوفاً على موضوع النَّص.

إلا أنَّه يمكن أن يناقش في المدلول من هذه الأية وأن المراد بالسبيل ليس مثل هذه الموارد من الشهادة، خصوصاً إذا لاحظنا التَّعليل في قبول شهادتهم في الوصيَّة، كما ورد في عموم حسنة ضريس الكتاسي أو صحيحته قال: ” سألت أبا جعفر عليه السلام عن شهادة أهل الملل فهل تجوز على رجل من غير أهل ملَّتهم؟ فقال: لا إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصيَّة، لأنَّه لا يصلح إذهاب حق امرىء مسلم، ولا تبطل وصيَّته”[76].

إذ أن هذا التَّعليل لو لا ذكر الوصيَّة لا نسحب إلى غيره من الموارد، هذا من حهة، ومن جهة أخرى يمكن القول بأن الضرورات قد تبرِّر جعل السَّبيل وما هو المانع. إذ هو سبيل له لا عليه. هذا وقد ذكر المفسِّرون أنَّ الآية الكريمة واردة موارد القتال والنَّصر والهزيمة والغلبة وفيها أقوال:

أحدها: إن المراد: لن يجعل الله لليهود على المؤمنين نصراً ولا ظهوراً. _ عن إبن عباس

ثانيها: وقيل لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالحجَّة وإن جاز أن يغلبوهم بالقوَّة لكن المؤمنين منصورون بالدَّلالة والحجَّة. عن السَّدي والزَّجاج، والبلخي، قال الجبائي: لو حملناه على الغلبة لكان ذلك صحيحاً لأنَّ غلبة الكفار للمؤمنين ليس ممَّا فعله الله فإنَّه لا يفعل القبيح وليس كذلك غلبة المؤمنين للكفَّار فإنَّه يجوز أن ينسب إليه سبحانه،

ثالثهما: وقيل لن يجعل لهم في الآخرة عليهم سبيلاً لأنَّه مذكور عقيب قوله: فالله يحكم بينهم يوم القيامة، بين الله سبحانه تعالى أنَّه لن يثبت لهم سبيل على المؤمنين في الدُّنيا بالقتل والقهر والنهب والأسر وغير ذلك من وجود الغلبة فلن يجعل لهم يوم القيامة عليهم سبيلاً بحال }[77].

وواضح أن الآية ليست في مورد جعل الأحكام طبقاً لشهادة أو غيرها خصوصاً إذا لاحظنا أنَّ الشهادة قد تكون لصالح المسلم فهل في ذلك سبيل عليه؟ ، السبيل الذي يكون فيه نحو من السلطنة الممقوتة للمسلم.

رابعاً: واستدلّ على المنع أيضاً بأنَّ الكافر ليس عدلاً، وهو موجب لسلب شهادته طبقاً لقوله تعالى: { وأشهدوا ذوي عدل منكم }[78].

وهذا القول يمكن مناقشته:

أولاً: إنَّ الآية واردة مورد إشتراط العدالة في شاهدي الطَّلاق فيقتصر على المورد ولا يتعداها إلى اشتراط العدالة إلى غير الطَّلاق.

ثانيّاً: إنَّ الآية ليست واردة مورد الحصر في عدالة الشاهد ليمنع من جواز الشَّهادة الغير العادلة.

ثالثاً: إنَّ التَّعليل الوارد في رواية محمد بن يعقوب عن الإمام الباقر عليه السلام: { إنَّه لا يصلح ذهاب حق امرىء مسلم ولا تبطل وصيته }، يكشف عن أنَّ المراد بالعدل فيها الأمين وغير الخائن والحافظ لما أؤتمن عليه، وهو ما ينسجم مع جو الآية وسبب نزولها كما في الرِّوايات التِّي دلَّت على ذلك. وهذا لا يستوجب أن يكون الشَّاهد مسلماً، إذ كم من كتابي قد يكون عنده من الأمانة والصِّدق والحفظ والوثاقة ما لا نجده عند كثير من المسلمين.

خامساً: إنَّ القائلين بالمنع قالوا بأنَّ الحكم الوارد في الآية منسوخ باشتراط الإسلام في الشاهد.

إلا أنَّه يمكن الرد على ذلك بأن النسخ لم يرد فيه دليل فضلاً عن وجود الدَّليل على الجواز، هذا أولاً وثانياً: فإنَّ سورة المائدة هي آخر ما نزل من القرآن الكريم وليس فيها منسوخ وهو متّفق عليه عند جميع المسلمين وقد دلَّت على ذلك روايات:

1- منها ما رواه ” عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام: إنَّ سورة المائدة كانت آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنَّها نزلت وهو على بغلته الشَّهباء وثقل عليه الوحي حتى وقعت”[79].

2- ومنها ما رواه ” جبير بن نفير قال حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت نعم، ففقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلُّوه وما وجدتم من حرام فحرِّموه “[80].

هذا وقد ذهب الحنفيَّة إلى القول بجواز شهادته حتى على المسلم، ” فقالوا: لا نسلِّم أن الذمي لا تقبل شهادته فالرَّسول صلى الله عليه وآله قد أجاز شهادته، فقد أجاز شهادة النَّصارى بعضهم على بعض، حديث رواه جابر بن عبد الله وأبو موسى، وأيضاً الذِّمِّي من أهل الولاية على نفسه وأولاده الصِّغار، فالمسلم إذا خطب إلى كتابي ابنته الصَّغيرة فزوَّجها منه جاز النِّكاح، ومن كان من أهل الولاية على نفسه وأولاده كان له أهليَّة الشهادة على جنسه كالمسلمين، لأنَّ الشهادة من باب الولاية، والفسق من حيث الإعتقاد غير مانع من قبول الشَّهادة لأنَّه يجتنب ما يعتقده محرَّماً في دينه والكذب محظور في جميع الأديان “[81].

إلا أنَّه يمكن ان يناقش في عمليَّة النقلة في الاستدلال فقوله: ” ومن كان من أهل الولاية على نفسه وأولاده كان له أهليَّة الولاية على جنسه ” هذه النقلة غير صحيحة إذ فرق كبير بين ولايته على نفسه وولايته على غيره، فالنَّاس مسلَّطون على انفسهم وأموالهم وهو امر طبيعي أما أنَّهم مسلَّطون على غيرهم إذا اعتبرنا الشَّهادة من باب الولاية وهي نحو من السلطنة فهذا أول الكلام، وهو محل النِّقاش. فضلاً عن أنَّه مخالف للآية القرآنية الكريمة ” لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ” وعلَّلوا كذلك على قبول شهادتهم بالقول : ” تقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة، فإن كانوا من دارين كالرُّوم والترك فلا تقبل ، لأن اختلاف الدَّارين يقطع الولاية ولهذا يمنع التوارث بخلاف الذِّمي لأنَّه من أهل دارنا، ومن كان كذلك فله الولاية العامَّة لشرفها، ولا كذلك المستأمن لأنَّه ليس من دارنا “[82].

ويمكن التَّعليق على ذلك ان مثل هذا الطرح قد ينجرُّ إلى نفس المسلمين إذا كانوا من دارين مختلفين، ولم يذهب إلى ذلك أحد من فقهاء الإسلام كافَّة.

فرع للمسألة

ثمَّ إنَّه قد يتبادر إلى الذِّهن فرع لما تقدَّم، وهو ما إذا أشهد الذِّمِّي على أمر من الأمور في حال كونه ذمِّيّاَ، ثمَّ حين الإحتياج إلى شهادته كان قد أسلم فهل تصح شهادته ويؤخذ بها؟

والجواب: أنَّه نعم قد يقال بالجواز في مثل ذلك لأنَّ المدار في صحة الشَّهادة وقبولها هو حين الأداء وحينها ينظر في كونه مسلماً أم لا وباقي الصفات الأخرى فإن توفّرت هذه الشروط أخذ بها وقد دلَّت على ذلك عدَّة روايات.

منها: رواية محمد بن مسلم قال: ” سألت أبا جعفر عليه السلام عن الذِمِّي والعبد يُشهدان على شهادة، ثمَّ يسلم الذِّمِّي ويعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا أشهدا عليه؟ قال: نعم إذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما ” [83].

ومنها: { عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن نصراني أشهد على شهادة ثمَّ أسلم بعد، أتجوز شهادته؟ قال نعم هو على موضع شهادته }[84] وهكذا غيرها من الرِّوايتين، حيث دلالتهما واضحة على المطلوب.

هل الكتابة شهادة:

وممَّا يستوقفنا في هذا المجال حينما نقرأ قوله تعالى: ” يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمَّى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علَّمه الله فليكتب وليملل الَّذي عليه الحق وليتَّق الله ربَّه… _إلى قوله تعالى _ … واستشهدوا شهيدين من رجالكم … “[85].

أنَّه هل هناك فرق بين الكاتب والشاهد من حيث الشَّهادة أم كلاهما واحد ؟

يمكن أن يقال بوجود الفرق بينهما خصوصاً إذا لاحظنا أنَّ الآية الكريمة تبيِّن لنا كيف نضبط وننظِّم العمليَّة الدّينيَّة بين النَّاس على مستوى الكاتب والشهود حيث فرَّق بين الكاتب للمعاملة وبين شهادة الشُّهود على ما يكتب إذ لو كانا واحداً لما احتجنا إلى أكثر من شاهد واحد معه ولما أمرت الآية بالشاهدين إلا أنَّه يمكن القول بأنَّ بينهما عموم من وجه حتى على ضوء الوارد في الآية.

1- الآية فرَّقت بين الكاتب والشَّاهد حيث أنَّه وإن كان الواجب أن يكون الكاتب كاتباً بالعدل، عليه أن يكتب ضمن الضوابط القانونيَّة الشَّرعيَّة إلا أنَّه قد لا يعتبر شاهداً في عمليَّة الدِّين وهذا موضع الإفتراق بينهما.

2- ويمكن أن يلتقيا فيكون الكاتب شاهداً خصوصاً مع ملاحظة الصِّفات المتقدِّمة التي يجب أن تتوفَّر فيه من العدالة في الكتابة ومن الكتابة حسب الشَّرع الحنيف، وهذا غالباً ما يحصل حين كتابة الوثائق، بل قد تكون الكتابة مع توفر صفات الشاهد في الكاتب أشد وأمتن في إثبات الحقوق وعدم ضياعها.

شهادة أهل الذِمَّة على بعضهم:

فيما تقدم كان كلّه حول شهادة الكافر ومنه الذِمِّي على المسلم. وأما إذا كانت الشَّهادة على الذِّمِّي فهل تقبل أم لا؟ إختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:

الأوَّل: لا تقبل شهادة الذِّمِّي على غيره مطلقاً سواء كان من أهل ملَّته أو غيرهم من المسلمين أو غيرهم.

الثَّاني: تقبل شهادة الذِّمّي على غيره مطلقاً كذلك.

الثَّالث: إذا كانت شهادة الذِّمِّي على ذمِّيٍ آخر من أهل ملَّته فتقبل وإلا فلا. وقد استدلَّ على ذلك بأدلَّة:

أمَّا الأوَّل:

فقد ذهب إلى ذلك عدَّة من فقهائنا: قال في (المختلف) للعلاّمة الحلِّي، ولا تجوز شهادتهم ولا شهادة غيرهم {أهل الذِّمَّة} من الكفَّار _ للمسلمين ولا للكفَّار ولا على الفريقين، سواء اتفقت ملَّتهم أو اختلفت. وهو الظاهر من إطلاق كلام شيخنا المفيد قدس سره.

وقال الشيخ في (الخلاف): قال قوم: لا تجوز شهادة أهل الذِّمَّة بعضهم على بعض سواء اتَّفقت ملَّتهم أو اختلفت، مثل شهادة اليهودي على اليهود أو على النَّصارى، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.

واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: { يا أيّها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنوا }[86]. فأمر بالتثبُّت في نبأ الفاسق، والكافر فاسق.

وقال في (المبسوط): >فأمَّا قبول شَهادة بعضهم على بعض فقال قوم: لا تقبل بحال لا على مسلم ولا على مشرك اتَّفقت ملَّتهم أو إختلفت، وفيه خلاف.

ويقوى في نفسي أنَّه لا تقبل بحال، لأنَّهم كفَّار فسَّاق ومن شرط الشَّاهد أن يكون عدلاً وتبعه إبن إدريس<[87].

ويؤيِّد ذلك: روى ابن غَنْم قال: سألت معاذ بن جبل عن شهادة اليهودي على النَّصارى، فقال: سمعت النبيَّ صلى الله عليه وآله يقول: لا تقبل شهادة أهل دين على غير دينهم، إلا المسلمين فإنَّهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم “[88].

وأمَّا القول الثَّاني:

وهو ما ذهب إليه ابن الجنيد كما نقل عنه العلاّمة الحلِّي في مختلف الشِّيعة قوله: وشهادة أهل العدالة في دينهم جائزة من بعضهم على بعض وإن اختلفت الملَّتان.

وهو ما نقله عن الشيخ في (الخلاف) قال: ” وقال آخرون: تقبل شهادة بعضهم على بعض، سواء اتَّفقت ملَّتهم أو اختلفت، وبه قال الثوري وأبو حنيفة. وممَّا يدل على ذلك صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل تجوز شهادة أهل الذِّمَّة على غير أهل ملَّتهم؟ قال: نعم إن لم يوجد من أهل ملَّتهم جازت شهادة غيرهم، إنَّه لا يصح ذهاب حق أحد ” [89].

فهذه الرِّواية واردة في جواز شهادة الذِّمِّي على غير أهل ملَّته وتدل بإطلاقها بمقتضى السُّؤال والجواب على قبول شهادتهم على غيرهم. وإن قيِّدت بعدم وجود أحد من أهل ملَّتهم إلا أنَّ ذلك لا يفيد الحصر. وبالتَّعليل الوارد في ذيلها لجعل ما يبرِّر قبول شهادته على غير أهل ملَّته، مضافاً إلى حالات الإضطرار الكثيرة لإختلاط النَّاس فيما بينهم على المستوى العالمي بحيث إذا لم تقبل شهادتهم على غير ملَّتهم لضاعت حقوق كثيرة لا يمكن تداركها ولقاعدة الضرورات تبيح المحذورات إضافةً إلى خلافه الشرعيَّة التي دليلها رفع عن أمتي تسع ومنها ما اضطروا إليه يمكن الذَّهاب إلى القول بجواز شهادتهم على غير ملَّتهم لحفظ الحقوق والحصول عليها.

وأما الثالث:

فقد استدلَّ عليه بالأصل حيث يشك هل انَّه يجوز قبول شهادة الذِّمِّي على غير أهل ملَّته. فالأصل عدم القبول إلا إذا دلَّ الدَّليل على خلافه، بل بالعكس فقد قام الدَّليل على العدم كما في موثقة سماعة: ” سُئل الصَّادق عليه السلام عن شهادة أهل الذِّمَّة فقال لا تجوز إلا على أهل ذمَّتهم “[90].

مضافاً إلى النبوي: عن كتاب عوالي اللآلي: ” قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تقبل شهادة أهل الدين على غير أهل دينهم إلا المسلمين فإنَّهم عدول عليهم وعلى غيرهم “[91].

وبه قال الشيخ في محكى الخلاف والنِّهاية، بل في الخلاف نسبته إلى أصحابنا ولكن اشترط الترافع إلينا مستنداً في ذلك إلى رواية سماعه المتقدِّمة وفي ذلك خلاف ونقاش يمكن معها القول بمنع ذلك لمخالفته لأصول المذهب وقواعده لإشتراط الإسلام في الشاهد وعدالته وهما منفيان في أهل الذِّمَّة.

إشتراط التَّرافع إلى المسلمين:

كل ما تقدَّم إنَّما هو فيما إذا ترافعوا إلينا فتأتي الأقوال المتقدِّمة حسب إختلاف الأدلَّة والآراء فيها، مع إشتراط العدالة في الشاهدين بحسب الموازين عندهم أو عندنا على الإختلاف المتقدِّم. وأمَّا إذا كان التَّرافع إلى أهل الذِّمَّة عندهم فلا تتأتي كل الأقوال المتقدِّمة ولا علاقة للآراء الفقهيَّة عندنا إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم. وهذا هو مقتضى الذِّمام الذي هو عدم التعرُّض لهم في أحكامهم في ما بينهم.

شهادة أهل الذِّمة مع اليمين:

هذا وقد تعرَّض الكثير من الفقهاء إلى أنَّ شهادة الشاهدين من أهل الكتاب لا تتم إلا بعد استحلافهما في زمن معيَّن وكيفيَّة معيَّنة كما ورد ذلك في الآية الكريمة قال تعالى: ” يا أيُّها الَّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيَّة إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابنكم مصيبة الموت تحسبونهما من بعد الصَّلاة  فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنَّا إذاً لمن الآثمين۞ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الأوليان فيُقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنّا إذاً لمن الظالمين “[92].

ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو داوود في سننه، عن الشعبي، من أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيَّته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري، فاخبراه فقدما بتركته ووصيَّته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأحلفهما بعد العصر ما خانا، ولا كذبا، ولا بدَّلا، ولا كتما، ولا غيَّرا، وإنَّها لوصيَّة الرَّجل وتركته، فأمضى شهادتهما “[93].

ومع مراجعة الآية القرآنية وأنهما يحلِّفان بعد الصَّلاة والالتفات إلى أنَّ الشاهد لا يجب عليه الحلف بإجماع الفقهاء، نعلم أنَّ اليمين إنما يجب في مثل هذا المورد، أولاً لمكان الارتياب في الشاهدين وثانياً لكونهما ذمِّيين أو غير مسلمين.

مورد الأمانة من الشَّهادة:

وحيثما كان البحث عن شهادة الكافر ومنهم أهل الذِّمة يقفز إلى الذهن أجواء آية قرآنيَّة تتحدَّث حول أمانة أهل الذمَّة وتمدحهم على ذلك بقوله تعالى : { ومن أهل اكتاب من تأمنه بقنطار يؤدِّه إليك ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنَّهم قالوا ليس علينا في الأمييّن سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون }[94].

فقد يقال : إذا كان من أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤدِّه إليك وهي مسائل ماديَّة ضخمة مع ذلك يغني لأمانته، وهل روح الشهادة، إلا الأمانة في إيصال الحقوق ولو معنويَّة إلى أهلها فلما لا تقبل شهادتهم إلا في مورد خاص جداً.

والجواب على ذلك:

أولاً: نحن حينما نتحدَّث عن شهادة أهل الكتاب ويصار إلى عدم قبولها، ليس معنى ذلك أننا نسلبهم كل الصِّفات الحميدة التي يمكن أن توجد فيهم ومنها مسألة الأمانة.

ثانياً: صحيح أن روح الشهادة هي امانة تؤدى على مجهها إلا أنَّ الشهادة والأمانة بينهما عموم وخصوص من وجه يلتقيان حال إستجماع جميع شرائط الشهادة ومنها الكفر ويفترق كل منهما في مصاديق تخصّه ومنها أن يؤدي أهل الكتاب ما أؤتمن عليه من مال.

وثالثاً: الآية تتحدَّث عن المصداق الخاص بأمانة أهل الكتاب ولا علاقة لها بالشهادة.

ورابعاً: إذا كان منطق أهل الكتاب في مفردة الخيانة أنَّه ليس علينا في الأمييِّن سبيل فهل من المعقول ان يجعل المسلم عليه سبيلاً منهم في الشهادة علماً أنَّه لا تجوز خيانة المسلم في الأموال وغيرها سواء كانت لأهل الكتاب أو غيرهم حيث لا يجوز أكل اموال الناس بالباطل ولا بد فيها من طيب النفس ومن هذه الرِّواية ننظر للرِّوايات الواردة في شأن الشهادة والتي منها رواية معاذ بن جبل المتقدِّمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقبل شهادة أهل الدين على غير دينهم، إلا المسلمين فإنَّهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم “[95].

الخلاصة:

وخلاصة القول في المسألة:

أولاً: لا تصح شهادة الكفَّار لا على مسلم ولا غيره إذا ترافعوا إلى القضاء الإسلامي.

ثانياً: لا تصح شهادة أهل الكتاب على المسلم إلا في مورد واحد وهو الشهادة على الوصيَّة.

ثالثاً: تصح شهادة أهل الكتاب على بعضهم البعض إذا ترافعوا إلى القضاء الإسلامي ويعتبر فيها العدالة المعتبرة عندهم سواء اختلفت ملَّتهم أو اتَّفقت.

رابعاً: تصح شهادة المسلم على من عداه من الكفار مطلقاً.

خامساً: بين الشهادة والكتاب عموم وخصوص من وجه.

سادساً: بين الأمانة و الشهادة أيضاً عموم وخصوص من وجه.

سابعاُ: قبول شهادتهم على غيرهم للضرورة وإنقاذ الحق وعدم ضياعه.

([1]) سورة الجاثية الآية: 24.

([2]) سورة البقرة الآية: 6.

([3]) سورة النمل الآية: 14.

([4]) سورة البقرة الآية: 89.

([5])  النمل الآية: 40.

([6]) إبراهيم الآية :7.

[7] . البقرة:152

[8] . البقرة:84-85

[9] . الممتحنة: 4

[10] . العنكبوت:25

([11]) تفسير الميزان: ج1، ص53.

[12] . آل عمران: 151

[13] . المائدة:  17

[14] . المائدة،: 72 و 73.

[15] . التوبة:  84

[16] . الرعد:  43

[17] . الحج: 57

[18] . سبأ: 43

[19] . فصّلت: 26

[20] . محمد: 32

[21] . النساء:  136

[22] . الرّوم:  16

[23] . المائدة: 44

[24] . آل عمران: 68

[25] . التوبة: 30و 31

[26] . البيِّنة: 6

[27] . آل عمران: 64

[28] . المائدة:  82 و 83

[29] . بحوث في شرح العروة الوثقى للسيِّد محمد باقر الصدر، ج 3 ص 291

[30] . بحوث في شرح العروة الوثقى للسيد الصدر ، ج 3 ص 291

[31] . جواهر الكلام ج 9 ص 46

[32]. وسائل الشيعة باب 10 من أبواب ؟؟؟ حديث 50.

[33] . الوسائل باب 2 من أبواب مقدمات العبادات، حديث 13

[34] . الوسائل باب 2 من أبواب مقدمات العبادات، حديث 10

[35] . الكافي باب الشرك من كتاب الإيمان والكفر ج 1

[36] . سفينة البحار – ج 1، ص 383

[37] . الكافي ، ج 251

[38] . الكافي، ج 2، 265

[39] . روضة العاليين للإمام إبن زكريا يحيى بن شرف النووي الدِّمشقي

[40] . المصدر السابق ص 1725

[41] . كتاب إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدِّين ص 23

[42] . سورة الحجرات ، آية 10

[43] . سنن أبي داوود، كتاب الفتن والملاحم ح4297

[44] . النساء : 83

[45] . كتاب إجماع المسلمين على إحترام مذاهب الدِّين ص 168

[46] . رواه البخاري في الصَّلاة رقم 391

[47] . رواه البخاري في الصَّلاة رقم 393

[48] . رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، وصحَّحه إبن حجر في المطالب العالية (3/296)

[49] . كتاب إجماع المسلمين على إحترام مذاهب الدين ص 170 – 174

[50] . المصدر السابق

[51] . المصدر السابق

[52] . المصدر السابق

[53] . سورة البقرة : 286

[54] . البقرة :185

[55] . جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام _ الشيخ محمد حسن النجفي ، ج 4 ص7

[56] . البقرة:282

[57] .النساء: 6

[58] . النساء: 10

[59] . النور: 4

[60] . النور: 6

[61] . النور: 13

[62] . الطلاق: 2

[63] . الوسائل _ كتاب الشهادات باب 1، ح2، ح 3، ح9

[64] . الوسائل _ كتاب الشهادات باب 1، ح2، ح 3، ح9

[65] . الوسائل _ كتاب الشهادات باب 1، ح2، ح 3، ح9

[66] . الوسائل _ كتاب الشهادات باب 2، ح2

[67] . الإسراء:36

[68] . الزخرف:86

[69] . الوسائل: كتاب الشهادات، باب 20، ح 1 وغيره

[70] . الوسائل: ج 27، ص342  كتاب الشهادات، باب 20، ح 3

[71] . المائدة:106

[72] . الكافي:7 ص 398 ح6 . التهذيب 6 ح 753 الوسائل 18 ص287، باب 40 من كتاب الشهادات ح 3

[73] . الكافي:7 ص 399 ح8 . التهذيب 9 ح 718 الوسائل ج13 ص392، باب 20 من كتاب الشهادات ح 3

[74] . الوسائل باب 20 من أبواب أحكام الوصايا ح 6

[75] . النساء : 141

[76] . الكافي ج7: ص 399 ح 7 – التهذيب ج 6: 253 ح 754 – الوسائل ج 13: 390 باب الوصايا ح 1

[77] . مجمع البيان المجلَّد الثاني ص 266 – 267.

[78] . الطلاق: 2

[79] . تفسير البرهان ج 1 ص 262

[80] . تفسير الشوكاني ج 2 ص 2

[81] . علم القضاء – الدكتور أحمد الحصري ص:246

[82] . الوسائل ج 18 باب 29 ح 1– ح 3

[83] . الوسائل ج 18 باب 29 ح 1 – ح 3

[84] . الوسائل ج 18 باب 29 ح 1 – ح 3

[85] . البقرة آية 282

[86] . الحجرات: 6

[87] . مختلف الشيعة، ج 8 ص 518 – 519

[88] . المصدر السابق، ص:518

[89] . الوسائل، ج 18 ص 287 ح 1 باب 40

[90] . الوسائل، الباب 20 من كتاب الوصايا ح 5

[91] . مستدرك الوسائل، ج 17 باب 32 من كتاب الشهادات ح 4

[92] . المائدة :106-107

[93] . سنن أبي داوود كما رواه الدَّار قطني بمعناه. فراجع الملتقى ج 2 ص 942

[94] . آل عمران: 75

[95] . مستدرك الوسائل ج 17 باب 32 من كتاب الشهادة

المصدر: مرکز الفقاهة

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: