الامام الحسين(ع).. كربلاء.. وواقعة الطف

کتب “حسن علی جمیل” في مقال له: كربلاء اسم موضع في العراق، يقع حالياً على مسافة مائة وخمسين كيلو متراً جنوبي العاصمة بغداد، أصل الاسم آشوري، ويتألف من مقطعين: “كرب” ويعني قرب، والمقطع “لا” وهو تحريف (أرامي كما يبدو) لكلمة “إيل” أي “إله”، فيكون معناها “قرب الآله”.

ويشير اسم الموقع الى احتمال نزول آشوريين فيه، وهو احتمال يقويه وجود قرية ضمن الموقع تسمى “نينوى” باسم العاصمة الآشورية الشهيرة التي تقع أطلالها اليوم قرب الموصل شمال العراق.

ويتردد اسم “نينوى” في المراثي الحسينية.. وللموضع اسمان آخران يترددان أيضاً في المراثي الحسينية، وهما: “الطف” ويعني في اللغة ما أشرف على أرض العرب من ريف العراق. ويشير ذلك الى نقطة اتصال نهايات الهضبة العربية بسهل العراق، وهو موقع كربلاء الجغرافي.

الاسم الآخر هو “الغاضرية”، وينسب الى غاضرة من “بني أسد” كانوا يسكنون هناك، ولكربلاء اسم آخر وهو “الحائر”، وهو وصف لطوبوغرافية المدينة.

ويحتمل أن كلمة “كربلاء” مشتقة من الكربة، بمعنى الرخاوة، فلما كانت أرض هذا الموقع رخوة سميت كربلاء.. أو من النقاوة، ويقال كربلت الحنطة إذا هززتها ونقيتها.. فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقاة من الحصى والدغل فسميت بذلك. والكربل اسم نبت الحماض، فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر وجوده هناك فسميت به.

* الأوضاع العامة قبيل تحرك الامام الحسين(ع)
تبدلت باستشهاد أمير المؤمنين الامام علي(ع) معادلات الصراع، مع ميل واضح للأطروحة الأموية التي كانت تعمل على تركيز سلطتها مع بدء العمليات العسكرية الأولى التي جرت خارج بلاد الحجاز، وكان الأمويون يعتبرون أن عقبات أساسية تحول دون تحقيق مشروعهم كان في مقدمتها وجود الحسنين (ع)، ولذلك دأبوا منذ البداية إزاحة هذه العوائق فشنوا على خصومهم حرباً لا هوادة فيها، فأذكوا الصراعات القبلية، ولعبوا على وتر المصالح والقضايا المصلحية، وسخروا المال والدعاية النفسية، واشتروا الضمائر، ومارسوا سياسة تعسفية قمعية ضد خصومهم، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أحدثوا تغييرات جوهرية في حركة السلطة ابتعدت فيه عن مسار تطبيق العدالة، وأصبح الاستبداد والظلم عنوان تحركها، ما أدى إلى قيام العديد من الثورات والتحركات ضدها، ولكن التحرك الأهم هو ما قام به الإمام الحسين الذي رفع شعار الإصلاح في أمة جده رسول الله(ص)، ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

*  الامام الحسين(ع).. التحدي والمواجهة
كان معاوية قد أحكم قبضته على الكوفة عن طريق زياد وابنه عبيد الله، وهما من أعتى الولاة الأمويين، وقد مورست عليها كل الإجراءات القمعية، وعند وصول الخبر بوفاة معاوية، كان عبيد الله بن زياد في البصرة وقد أناب عنه النعمان بن بشير الأنصاري، وهو صحابي قليل الشأن محدود الكفاءة، فاجتمع زعماء الشيعة في الكوفة واتفقوا على استدعاء الحسين(ع)، فكتبوا إليه رسالة ومعهم خمسة من مقدميهم تضمنت التنديد بالسياسة الأموية وتطلب منه القدوم لنصرتهم.

استجاب الامام الحسين(ع) للدعوة وأبلغ موقّعي الرسالة بأنه قادم إليهم، لكنه تريث قبل التوجه إلى العراق، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل مبعوثاً عنه إليها. عندما وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة كان النعمان بن بشير قد غادرها، وظهر الشيعة إلى العلن، وأخذ مسلم البيعة للحسين من أهل الكوفة، وبدا له أن الوضع استتب لصالحه، فكتب إلى الحسين يستدعيه للقدوم، لكن عبيد الله بن زياد استطاع التسلل إلى الكوفة قادماً من البصرة، ودخل إلى قصر الإمارة متنكراً، وكان محاطاً بأعوانه، فأعلن عن نفسه من شرفة القصر بعد أن حصّنه جيداً.

وتقول الروايات أن مسلم بن عقيل (س) تقدم لمحاصرة القصر بقوة كافية من أهل الكوفة، لكن ابن زياد تمكن من تشتيت هذه القوة برشوة زعماء العشائر والقبائل ووجهاء المدينة التي كانت لا تزال مقسمة على أساس قبلي، ولم يمض وقت طويل حتى وجد مسلم نفسه وحيداً محاصراً من قبل قوات ابن زياد من كل صوب وحدب وانهالوا عليه بالرماح والسيوف والسهام حتى وقع في أسر بني أمية بعد أن أثخن جسده الشريف بالجراح ومن ثم قتله أبن زياد ورمى بجسده من أعلى قصر الامارة .
* مسيرة البطولة والشجاعة
كان الامام الحسين(ع) قد دخل أراضي العراق قبل أن يبلغه مقتل مسلم بن عقیل (س) وانقلاب أهل الكوفة عليه خاصة أولئك الذين كتبوا عشرا آلاف الكتب يدعون فيها سبط الرسول (ص) الامام الحسين بالمجئ الى الكوفة ليبايعونه بين عشية وضحاها بين صىة الظهر التي صلى خلفة أكثر من ثلاثة آلاف مصلي وحتى صلاة العشاء التي لم يبقى أحد؛ ومعه بضعة وعشرين من شباب أسرته وعشرات من أصحابه، وبعد سيرهم مسافة قصيرة باتجاه كربلاء طلعت عليهم قوة بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، كانت قد كلفت بمنع الحسين(ع) من التوجه الى جهة أخرى، ويستفاد من مجرى الأحداث اللاحقة أن خطة عبيد الله بن زياد كانت تقضي بمحاصرة الامام الحسين(ع) في نقطة خارج الكوفة بعد أن يكون قد منع من التوجه إلى مكان آخر، ولكن دون السماح له بالوصول الى الكوفة نفسها، خوفاً من أن يؤدي دخوله المدينة الى عودة الالتفاف حوله. لأن أهل الكوفة كما عبر الفرزدق، كانت قلوبهم مع الامام الحسين بن علي عليهما السلام وسيوفهم عليه!

ومع اقتراب الامام الحسين(ع)  ومن معه من أهل بيته وأصحابه المنتجبين الميامين من موقع كربلاء، الذي يبعد عن الكوفة حوالي ثمانين كيلو متراً، وصلت القوة الرئيسية المكلفة بدخول المعركة معه تحمل أوامر بقتل الجميع دون أستثناء من صغير وكبير، رجل أو أمرأة كي لا يبقى لآل الرسول المصطفى (ص) من ذكر في المعمورة کما أوعز بذلك ابن زياد المرواني الاموي وبالتطميع والتهديد .
كانت القوة التي تقدر بثلاثين ألفاً بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص (والده سعد من المناهضين لأمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب(ع) ورفض مبايعته بالخلافة)، أوكل إليه عبيد الله بن زياد أمر مقاتلة الحسين(ع)، وكان قد عيّنه والياً على الري، وهي مدينة إيرانية كبيرة تقع أطلالها اليوم في جوار طهران، فلما تحرك الامام الحسين (ع) ووصلت الأنباء بدخوله العراق، استدعاه عبيد الله واشترط عليه قبل استلام ولايته أن يقاتل الامام الحسين(ع)، وقبل ابن سعد ذلك لئلا تضيع منه الولاية.
* إلقاء الحجة الأخيرة على القوم
عندما التقى الطرفان وجهاً لوجه في كربلاء ألقى الامام الحسين(ع) خطبته القصيرة المدوية التي قال فيها: “ألا وإن الدعي ابن الدعي ـ يقصد عبيد الله بن زياد ـ قد ركز بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”.

ثم بدأ القتال بالمبارزة التي أبلى فيها الامام الحسين(ع) وأصحابه بلاءً حسناً، ثم قام الجيش الأموي بهجوم شامل أسفر عن استشهاد خمسين من أصحاب الامام الحسين(ع)، لم يلبث ابن سعد بعدها أن أمر الجيش بالكف عن القتال، حيث كان يطمع في استسلام سيد الشهداء (ع) بعد أن قتل هذا العدد من أصحابه ولم يبق معه من المقاتلين الفعليين إلا القليل.

لكن الامام الحسين(ع) واصل القتال، الذي أخذ عندئذ شكل المبارزة والهجمات السريعة الخاطفة من الجانبين، وانتهت هذه الجولة بمقتل من تبقى من أصحابه (س) ومن معه من شباب أسرته (ع)، وجاءت الجولة الأخيرة وهي الأكثر إثارة، حين وقف الامام الحسين(ع) منفرداً في مواجهة الجيش الأموي، فتنقل المصادر عن شهود المعركة ما يلي: “فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه، وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب. ولقد كان يحمل فيهم فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله”.

* درس وعبرة
أحدث مقتل الامام الحسين(ع) رد فعل عنيفة ضد السلطة الامویة الحاكمة، وكان ذلك الحدث قد اعتبر امتحاناً لامكان خضوع المسلمين لسلطان مستبد لم يتعودوا عليه في جاهليتهم.

روى الطبري أن عبد الله بن مطيع، من زعماء الحجاز، توسل الامام الحسين(ع) أن لا يجازف بالخروج الى الكوفة، قائلاً له: “والله لئن هلكت لنسترقن بعدك”. باعتبار أن إقدام الأمويين على قتل الامام الحسين (ع) سيسهل عليهم إخضاع المسلمين لسلطانهم، بينما تحول صمود سيد الشهداء وأبي الاحرار (ع) واستبساله الى أمثولة يشهد به حتى أعداء أهل البيت عليهم السلام على طول التأريخ .

وقامت حركات ثورية عديدة تحت شعار “يا لثارات الحسين” حتى نهاية الحكم الأموي ومجيء العباسيين الذين اعتبروا أنفسهم آخذين بثأرالامام الحسين (ع) من بني أمية، وطوال العصور الاسلامية كان المثال الحسيني يلهم لحركات من الثوار ضد العباسيين وغيرهم من السلطات الظالمة، ويمارس حضوره كعنصر شد لمعنويات الاحرار، لا سيما في لحظات الحرج أو اليأس.

ولا يزال لهذا المنار الشامخ والصرح الاسلامي المتعال تأثير حتى وقتنا الحاضر وسیبقى كذلك على طول الدهر شعلة وضاءة تنير درب الأحرار والرامين للعدالة والمساواة والحرية في كل مكان وزمان وستبقى كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء لطالما هناك ظلم وديكتاتوريات وقمع ومساعٍ لعودة الأمة الاسلامية نحو الجاهلية والظلمات.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: