الإمام الحسين عليه السلام الشهيد الشاهد

قال آية الله السيد محمد تقي المدرسي: حين اشترى الله من السبط الشهيد نفسه وما ملكت، اعطاه اجراً عظيماً. فقد سقط السبط شهيداً، فجعله ربه على التاريخ شاهداً، وجعله أباً للأئمة عليهم السلام، وسيداً لأمة رشيدة.

وكانت كربلاء -أرض تضحياته- ساحة معركة، فأصبحت عنوان مسيرة.. وكانت حادثة، فإذا بها اليوم راية لمسيرة مباركة.

لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة وجعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه، وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ( (السجدة/24)، وقال سبحانه: (اُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ((الانعام/90) .

لماذا؟ أولم يكف البشرية رسول واحد يستضيء بنوره الناس على مر العصور؟
دعنا نعود إلى البداية لنعرف الاجابة. أوتدري متى تتوقف عقارب الزمن ويتكلس العصر ويتجمد الانسان ويسود التخلف ويحكم الارهاب ويتسلط الظالمون؟

تماماً عندما ترين على الافئدة طبقة سوداء من الافكار التبريرية والمعاذير
الخادعة، فيتحلل كل الناس عن مسؤولياتهم، كل باسم عذر وتبرير كاذب. فيقول البسطاء والمستضعفون: اننا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين، إنما نحن بؤساء محرومين نتبع كبراءنا وساداتنا أو السابقين الأولين من آبائنا ، كما يصف القرآن ذلك بقوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ( (الاعراف/173).

أما الاثرياء فهم الذين يخافون الفقر ويخشون المساواة والمحرومين، ويقولون: (وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( (قصص/57)، ويقولون: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ( ( شعراء/111).
بينما تجد انصاف المثقفين وأدعياء الدين يسكتون عن الباطل ويداهنون الظالمين ويرضون بفتات من خيرات السلطان، وهم كما يصفهم القرآن: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِاَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً( (79/البقرة)، ويقول عز من قائل: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ( (13/المدثر).

وان هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع، لانهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين، ويضعونه في أيدي المستكبرين والطغاة لقاء دراهم معدودة.

وهم لا يقاومون الظلم والاستكبار وحسب، وإنما يحذّرون الناس ويشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزامية. وما الأمثلة الجاهلية الشائعة حتى اليوم بين الطبقات المحرومة، إلا بقايا ثقافة وعاظ السلاطين وخول الطغاة من المثقفين الخونة وأدعياء الدين السفلة.

فهم أشاعوا بين الناس؛ بأن السلطان ظل الله، وان من تسلط على الرقاب بالسيف فهو أحق الناس بالطاعة، وان الحشر مع الناس عيد وإنْ كان الى سعير جهنم، وإنَّ معنى التقاة السكوت عن الطغاة، وإنَّ اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبّلها، وعشرات من الافكار الشيطانية الزائفة.

ان هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانية والافكار الانهزامية الاستسلامية التي غلّفت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم، كانت من جراء فساد السلطة، وزيغ الثقافة، وسوء التربية والاخلاق، والفقر والظلم والحرمان وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر.
فيا ترى أنى لنا النجاة منها..؟

لقد أودع الله في ضمير البشر فطرة ظاهرة وعقلاً نيراً ونفساً لوامة، حيث قال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا( (الشمس/7-8)، وأيد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت، وكتبه التي تواصلت. فكلما امتدت يد التحريف إلى رسالة، وفسرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة، ابتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله، ليكون حجة عليهم.
ثم أكمل حجته بأوصياء هداة وصديقين شهداء، تصدوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفية، حتى أبانوا الحق، وأظهروه ودحضوا الباطل وأسقطوه.

إنَّ أعظم محاور الرسالات، وأعظم أهداف الرسل وخلفائهم، كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين، ونفي الأعذار الشيطانية التي تخلف الناس عن الدين بسببها.

وقد خاض أنبياء الله وأولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الاعذار والتأويلات الزائفة، التي نشرها أدعياء الدين بين الناس.. وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضاءً وبعيداً عن زيف التبرير وزيغ التأويل، لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

لقد رسموا بجهادهم وجهدهم كما بدمائهم الزكية خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض، المتسلطين على الناس زوراً وعدواناً، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين، والعلماء الفاسدين الخانعين اليائسين.

وكانت نهضة أبي عبد الله الحسين عليه السلام علماً بارزاً في هذا الطريق الشائك، حيث كانت رسالة جده المصطفى عليه وعلى آله صلوات الله أعظم انتفاضة للضمير ولتوهّج العقل، وأسمى ابتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل وزيف التبرير.
لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كل الآفاق.

ولكن الشجرة الأموية الملعونة في القرآن، التي جسّدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة ودهاة المكر والتضليل، والتي صدت عن سبيل الله والرسالة في بدر واُحد والاحزاب، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة. وقد أوكلت مهمة اجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهلية التي تغذيها إلى خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله.

وها هم طفقوا يتسللون الى المجتمع الناشيء ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق. انهم كما الخلايا السرطانية امتدوا الى كل نفس طامعة وقلب حاقد، ومستكبر يتوثب للسلطة، ومترف يبحث عن مصالحه.

وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم، بانه رأى قردة ينزون على منبره… فإذا بهذا الحزب الاستكباري يستغل الاوضاع المتوترة في عهد الخليفة الثالث، ويقوم بما يشبه انقلاباً عسكرياً يقوده معاوية ابن ابي سفيان، ويخوض أصحاب النبي الميامين بقيادة أميرهم المقدام وإمامهم الهمام سيد الأوصياء علي ابن أبي طالب عليه السلام، يخوضون ضدهم حرباً ضروس في صفين، لا تختلف عن حروب رسول الله ضد سلطة قريش.

وإذا سقط الإمام علي شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذه بنو أمية، وإذا مضى نجله الإمام الحسن مسموماً ضمن مؤامرة أموية، فإن للإمام الحسين دوراً متميزاً في كربلاء، حيث يقتلع جذور الشجرة الخبيثة بإذن الله، وذلك بالدم المظلوم الذي يهزم سيف البغي والعدوان، حيث لا غدر ابن ملجم ولا سم جعدة بل بالمواجهة السافرة.

كربلاء رمز المواجهة
وهكذا أصبحت ملحمة كربلاء رمز المواجهه بين الحنفية البيضاء والشرك المتلصص؛ بين الحق الخالص الصريح والباطل المدنس المزخرف؛ بين الشجاعة والبطولة والتحدي وبين التذبذب والانطواء والتبرير..

وأصبح الإمام الحسين لواءاً منشوراً لكل من يريد مقاومة الحكّام المتسترين بالدين، وتحريف العلماء الخونة للدين، وسكوت المتظاهرين بالدين… وبكلمة؛ لكل من يريد مقاومة الدين المزيف الذي اضحى سلاحاً فتاكاً على الدين الحق، ومقاومة المتظاهرين بالدين الذين تظاهروا ضد الخط الإيماني الصادق.

وهكذا اضاء ابو عبد الله الحسين عليه السلام على امتداد التاريخ درب المؤمنين المستضعفين الذين تآمر ضدهم ثالوث النفاق والدجل والجبن.. هؤلاء المحرومين الذين تظاهر ضدهم المهووسون بالسلطة ووعاظ السلاطين والمترفون مصاصوا دماء الفقراء.

إنَّ أية راية حق حاربت من أجل الله، جعلت شعارها: يا لثارات الحسين؛ وأي تجمع صالح قرر التحدي، وضع نصب عينيه دروس كربلاء،؛ وأي رجل عقد العزم على أن يكون فداءاً لدينه كان مثاله الاسمى السبط الشهيد.

وتبقى حاجتنا إلى مشعل سيد الشهداء مادمنا نواجه نفاقاً أموياً، ودجلاً شُريحياً، وخيانة كالتي كانت عند أهل الكوفة. وأنى يكون لنا اليوم الذي نتخلص فيه من هذا الثالوث الخبيث؟

كلا؛ مادامت الدنيا فان فتن الشيطان ووساوسه قائمة.. وليس بالضرورة ان يكون المنافق أموياً سافراً كصدام أو شريحاً قاضياً عنده كما وعاظ السلاطين، أو جبناء متظاهرين بالخيانة كمن حاربوا بوعي وعمد واصرار تحت لواء البغي والطغيان.

كلا؛ ليس بالضرورة أن يكون كذلك، فقد يكون المنافق متظاهراً بحب السبط الشهيد، والدجال متحدثاً باسمه، والجبان منضوياً تحت لوائه.. أولم يرق ذلك الدجال منبر الحسين قائلاً: بعدم جواز الدخول بين السلاطين، ومحرماً تعاطي السياسة! ولم يفكر ان المنبر الذي اتخذه وسيلة معاشه لم يقم الا على دماء السبط الشهيد عليه السلام، وان الإمام الحسين أعلن بكل صراحة ان مثله لا يبايع مثل يزيد، ثم قال: ” من كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فانّي راحل مصبحاً إنشاء الله..”(21)
وهل هذا سوى العمل في السياسة. وأي سياسة أعظم من القيام بالسيف ضد حكم طاغية؟!

كلا؛ (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً( (الكهف/54) .
من هنا كان على الذين وعوا حكمة الشهادة الحسينية، وعقدوا العزم على ان يعيشوا نهج سيد الشهداء رغم الصعاب، والذين تساموا الى حيث جوهر الإسلام وروح الإيمان وعصارة تاريخ الأنبياء… إلى حيث الصراع ضد الجبت والطاغوت؛ على هؤلاء أن لا يدعوا راية السبط الشهيد تسرق من قبل الدجالين والمنافقين والمترفين، فإذا بهم يحاربون نهج الحسين باسم الحسين كما حارب بنو أمية -عليهم اللعنة الابدية- نهج رسول الله باسم رسول الله ونهج كتاب الله باسم كتاب الله.

عليهم ان يتقدموا لحمل راية الإمام الحسين عالية خفاقة ويتحدثوا باسمه، فان لهم وحدهم الحق بأن يتحدثوا باسمه، وأن يرتقوا منابره ويعمروا مجالسه ويحتشدوا في مسيراته ويكتبوا عنه كثيراً ويفسروا تفسيراً صادقاً لواقعة كربلاء وما سبقها وما لحقها، معتمدين في ذلك على التاريخ الصحيح والنصوص المأثورة عن الإمام الحسين عليه السلام نفسه، وزياراته المروية عن أهل البيت عليهم السلام، ولا يرضوا عن كل ذلك بدلاً بما قيل عن الإمام وواقعة كربلاء من التراث المتداخل مع بعض الثقافات الدخيلة أو أفكار الهزيمة.

على العلماء الكرام وأصحاب الأقلام الحرة ان يعيدوا صياغة قصة كربلاء في ضوء بصائر الوحدة وسيرة السبط، ويبتعدوا عن تلك الافكار التي اختصرت السبط في تراجيديا أو فلكلور.

الإمام الحسين نور في ظلمة الطريق
أن الحسين -كما جاء في حديث جده- مصباح الهدى وسفينة النجاة، انه من الرسول والرسول منه؛ إنه إمام المسلمين وحجة الله وهو أعظم من مجرد تراجيديا، كما ان كربلاء أسمى من مجرد فلكلور، انه وريث الأنبياء وترجمان الأوصياء وقدوة الأتقياء.. انه مدرسة التوحيد. أولم تقرأ دعاءه في يوم عرفة؟ ان هذا نهج السبط الشهيد، فهل يجوز اختصاره في بضعة كلمات تراجيديا؟
إنـه يمثل الإسلام، أوليس هو إمام الأمـة وحجـة الله وعلينا أن نشرح أبعاد حياته كلها، وكل حياته جهاد.. وقد ختمت بكربـلاء بالشهادة.

وعلينا نحن الذين نأتم به ان نتخذه إماماً في كل مناهجه وشرائعه:
أ – يوم نشأ بسلسبيل حب الله والرسول وعترته فكانت نفسه طاهرة من أدران الشرك ووساوس الشك، وحوافز الشر وغلّ الحسد والحقد والعصبيات المادية، وحين نقف على ضريحه المبارك نترنم بالقول: “أشهد انك طهر طاهر مطهر من طهر طاهر مطهر طهرت وطهرت بك البلاد وطهرت ارض انت فيها” (22).

ب- ويوم وقف بعزم صادق ونية خالصة الى جانب امه الصديقة الزهراء عليها السلام في معركة فدك، والى جانب والده الإمام علي عليه السلام في يوم الجمل وفي صفين والنهروان، وإلى جانب اخيه الإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه..
وهكذا كانت طاعته لقيادته الإلهية خالصة من أية شائبة.. ذاب فيها كما تذوب قطرة ماء زلال في بحر فرات.

ونحن -إذ نتبعه- نروّض هوى النفس في ذواتنا لنصبح جزءاً من تيار التحرك، لا نريد لانفسنا جزاء ولا شكورا.
وهكذا نقرأ في زيارته: “وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين”..(23)
وهكذا فالطاعة سبيل اليقين ومن يرفض الطاعة بمعاذيرٍ يلقيها اليه الشيطان يصبح ضحية الوساوس طوال حياته.

ج- ويوم انصهر في بوتقة التوحيد وعرفان الرب وزكاة القلب وتبتله في الليل والذي كان تأويلاً صادقاً لقوله سبحانه: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ( (الذاريات/17).
وما دعاؤه في يوم عرفة إلا قبساً من نور توحيده، ووهجاً من شوقه إلى رضوان ربه، وفيضاً من حكمته الإلهية.

ألا تراه واقفاً في صحراء عرفات تحت شمس الظهيرة اللاهبة وقد رفع
كفيه الضارعتين الى ربه وجرت دموعه الدافئة على خده.. وهو يخاطب ربه بكل عفوية وانسياب ويقول: “…أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها، وتضيق بي الأرض برحبها ولولا رحمتك لكنت من الهالكين وانت مقيل عثرتي ولولا سترك إياي لكنت من المفضوحين وانت مؤيدي بالنصر على اعدائي ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين… يا من خص نفسه بالسمو والرفعة فأوليائُه بعزّه يتعزّزون، يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطواته خائفون يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وغيب ما تأتي به الأزمنة والدهور، يا من لا يعلم كيف هو الا هو يا من لا يعلم ما هو الا هو…” .(24)

هذا القلب الكبير الذي استقبل نفحات الرب في عرفات الحجاز، هو القلب الذي استقبل تحديات الموت في يوم عاشوراء بتلك النفحات، عندما ازدلف عليه اكثر من ثلاثين ألفا من اعدائه يريدون قتله فتوجه الى ربه ضارعاً وقال: “اللهم انت متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غني عن الخلايق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب إذا دعيت محيط بما خلقت قابل التوبة لمن تاب اليك قادر على ما اردت ومدرك ما طلبت وشكور إذا شكرت وذكور إذا ذكرت، ادعوك محتاجاً وارغب اليك فقيـراً وافـزع اليك خائفاً وابكي اليكَ مكروباً واستعين بك ضعيفاً وأتوكل
عليك كافياً، أحكم بيننا وبين قومنا…”. (25)
هذا هو الإمام الحسين عليه السلام، وعلينا ان نسمو إلى درجة اتباعه في زهده وتقواه، في تبتله وعبادته، في سلوكه وخلقه.

د- وأخيراً نتبعه يوم توج تلك الحياة الربانية بشهادته التي كانت مرسومة من ذي قبل لتكون نهج حياة.
ويوم شهادته كان السبط مثلاً أعلى لكل التضحيات وحجة بالغة علينا فيها.
لقد قدم في يوم واحد كلما يمكن ان يقدمه انسان في سبيل ربه، كما ضرب أنصاره الكرام أروع الأمثلة في الاخلاص والايثار. وهكذا كان الإمام حجة بالغة على كل متقاعس عن الجهاد متخاذل خنوع.
البعض يتقاعسون عن الجهاد حفاظاً على اموالهم ودورهم وضياعهم كما خشي عمر بن سعد عليها وخرج بذلك لمواجهة الإمام الحسين بكربلاء.
أولم يكن للإمام ضياع ودور وأموال فتركها لله عندما قرر القيام ضد طاغية زمانه؟!

ويتقاعس البعض عن الجهاد خوفاً على سمعته أن تنالها أجهزة التضليل الحكومية!!
أولم يكن سيد الشهداء قد تعرض لذلك التشويه فقالوا عنه: انه قتل بسيف جده، ونشروا في عرض البلاد وطولها انه خارجي، وكانت مئات الألوف من المنابر التي أقامها النبي للدعوة الى الله تبث الزيغ والتبرير والتحريض على المجاهدين الاوفياء لدين الله، وضد ابي عبد الله الحسين عليه السلام بالذات!!

وينكفيء البعض عن واجبه الشرعي، لانه يخشى على عائلته واسرته ان تضيع في زحمة الصراع السياسي.

بالله عليكم أي اسرة أشرف من اسرة النبي، وأي أهل بيت أعظم من أهل بيت الوحي… وقد حملهم معه سيد الشهداء الى كربلاء ليكونوا شهداء معه على تلك المجزرة الرهيبة، ثم دعاة الى القيام ضد بني أمية، وتعرضوا لكل ألوان البلاء وأشدّها قساوةً حيث طافوا بهم البلاد يتصفح وجوههم أهل المنازل والمناهل، وهم حرم رسول الله، ومهابط وحي الله ومعادن حكمته.
وترى البعض يوسوس إليه الشيطان، كيف تُعرّض ابناءك للأذى؟ كلا؛ إن دين الله أعظم من اسرتك وابنائك، وانه كفيل بهم. وهذا السبط الشهيد قدم ابناءه بين يديه ضحايا دين امته وفداءاً للرسالة وبينهم نجله الكريم علي الاكبر عليه السلام، أشبه الناس برسول الله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً.

وبعض الناس يزعمون ان القيادة ينبغي أن تكون محمية بعيدة عن الخطر.. وأي قائد أعظم من حجة الله وسبط الرسول وكهف المحرومين ابي عبد الله الحسين عليه السلام؟
وها هو يقدم نفسه للفداء قرباناً الى ربه، ودفاعـاً عن الرسالـة..
وهكذا كان ولا يـزال السبط الشهيـد شاهداً خالداً علينـا – نحن المسلمين- ضد كل تبرير وعذر وتقاعس وانكفاء .

واليوم حيث يتعرض خط الجهاد المقدس للتشويه من قبل أبواق الكفر والنفاق، فما أحوجنا الى الإمام الحسين ونهجه وسيرته وشهادته الدائمة على مر العصور.
أننا اليوم نتعرض لهجمات واسعة وشرسة من قبل المستكبرين وعملائهم المنافقين وحزبهم الدجالين، فما احوجنا الى انشاء المجتمع التوحيدي المستضيء بالنهج الحسيني حتى نقاوم تلك الهجمات العدوانية، ولكي نحافظ على المكاسب الجهادية لامتنا المجيدة.

وبغير النهج الحسيني يخشى ان تقضي مؤامرات المستكبرين واذنابهم المنافقين، وخذلان الخانعين، على بنية استقلالنا وشرفنا وكرامتنا، ونتحول الى شراذم بشرية مستعبدة..
إن نهج الحسين وحده السبيل الى تكوين المجتمع التوحيدي النقي، فما هو هذا النهج ، وما هو المجتمع القائم على اساسه؟
ان جوهر هذا النهج هو التوحيد والجهاد. التوحيد الذي يمنحنا به الله الاستقلال، والجهاد الذي يرفعنا الله به الى صعيد العزة والرقي.

أوليس الاستقلال والرقي هما أسمى ما يتطلع إليه الإنسان الواعي؟
دعنا نفصل القول في ذلك تفصيلاً مبيناً:
أولاً: القيم الأصيلة التي يتسامى بها المجتمع التوحيدي هي قيم الوحي التي تستنير بها العقول وتزدهر بها المعارف والعلوم وتتزكى بها الاخلاق والآداب، وهذه القيم تتناقض والثقافات الجاهلية الموغلة في المادية.

فلكي نبني مجتمع التوحيد القائم على نهج الحسين عليه السلام، علينا ان نطهر مجتمعنا من رواسب الجاهلية، من العصبيات العرقية والاقليمية والمصلحية والحزبية الضيقة؛ من التشرذم والتفرق والتضاد؛ من التدابر والتناحر والتنافر..

إن علينا كنس واقعنا من ثقافة التجهيل والشعوذة والدجل، من ثقافة التبرير والخداع الذاتي، من ثقافة الانانية والانتهازية، من ثقافة الاعتزال والانغلاق والهروب من واقعيات الحياة..

ان المجتمع التوحيدي يتشبع بروح ايجابية معطاءة، بروح الانفتاح والتفاعل، بروح التصدي والتحدي، بروح المقاومة والاستقامة.. وهذه الروح تتناقض كلياً مع تلك الثقافات الدخيلة.

إن عِبر كربلاء تفيض بهذه الروح، وحرام ان نعيش دهراً على شاطئ الحسين عليه السلام محرومين من ماء الحياة، ومن العزم الحسيني. والشجاعة الحسينية، والعطاء الحسيني، من الكرم والايثار والصمود والتحدي، ومن كل تلك المعطيات التي زخرت بها ملحمة كربلاء الثائرة.

ان واجب كل فرد منا ان يمتلك مقياساً حسينياً لمعرفة لون الثقافة التي يشيعها الاخرون. فان كانت ثقافة الايثار والتحدي فبها والا يجب رفضها ورفض الذي ينادي بها حتى يتقلص دور قطاع الطرق والصادّين عن سبيل الله، الذين يسرقون راية السبط الشهيد ويحاربونه باسمها.. الذين يزرعون الشك والوسواس في النفوس، ويلقون الجبن والخوف والتردد في روع المحرومين ويأمرونهم بالسكوت والخذلان ويحاربون المجاهدين والعاملين، والذين يريدون الدين لمصالحهم ولا يضحون بمصالحهم في سبيل الدين ولتغيير هذا الواقع المشين ، فتراهم يكيلون التهم الرخيصة ضد المجاهدين ويترصدون ثغراتهم ناسين ان التقاعس جريمة كبرى وهم يرتكبونها بلا خجل.. إن هؤلاء هم شريحة شريح القاضي لعنة الله عليه.
ثانياً: وبروح المقاومة والاستقامة، والجود والايثار، والوحدة والجهاد.. بهذه الروح الحسينية التي تفيض من كل أبعاد ملحمة البطولة في كربلاء، نربي الجيل الناشيء، نرضعهم الشجاعة والحكمة، ونلقنهم الصبر والصمود، ونزرع في أفئدتهم التطلع والهمة، ونقول لهم ان الاموية السوداء لازالت تذبح الميامين من أبناء الحسين، ولا زالت معركة كربلاء ممتدة فكونوا جنوداً للحق انصاراً للحسين. لازالت حنجرة السبط الشهيد الدامية تنادي: ألا هل من ناصر ينصرنا، ألا هل من معين يعيننا، ألا هل من ذاب يذب عن حرم الرسول.

لبيك يا داعي الحق، نحن أنصارك يا سيد الشهداء. هكذا نربي اطفالنا.
وكما كان آباؤنا الكرام وامهاتنا الكريمات ، يهزون مهد أولادهم ويترنمون بزيارة عاشوراء ومعها مائة سلام للحسين وأهل بيته المظلومين ومائة لعنة على من ظلم آل محمد من الأولين والآخرين… فلابد ان نفعل نحن كل ذلك ايضاً كي يتحصّن ابناؤنا ضد الدعاية الأموية.

وإن التربية والتثقيف والاعلام الناطق أوالمكتوب أو ما أشبه ينبغي ان يهدف كل أولئك تعريف الناس بمن هو اليوم يمثل الإمام الحسين فيرفض حكم الطغاة، ومن هو يمثل دور يزيد أو شريح القاضي أو جمهرة أهل الكوفة الذين خذلوا السبط الشهيد.
ثالثاً: العلاقات في المجتمع التوحيدي هي علاقات حسينية تهدف تهيئة القوة الذاتية القاهرة بإذن الله ضد كل باغ وطاغ وكل طامع ومستكبر.

إن هذه العلاقات لا تهتز بسبب الظروف القاسية، بل تزداد متانة وتصلباً…
انها لا تزيدها الاشاعات الخبيثة إلا تماسكاً وتلاحماً.
انها علاقات الجهاد التي تطرد الجبناء والمصلحيين والمتأثرين بدعايات الاجانب والمتخاذلين.
انها علاقات قائمة على أساس الطاعة للقيادة والثقة المتبادلة بينها وبين القاعدة.
انها علاقات عمل جدية وابتعاث، فلا موقع للكسالى والطفيليين والمترهلين فيها.
رابعاً: الاقتصاد في المجتمع التوحيدي اقتصاد دفاعي، لا يعرف الترف والتبذير، والاستهلاك والاستكثار… إنه اقتصاد زهد وتقشف وايثار وجود، انه اقتصاد تخطيط بعيد يهدف العز والكرامة قبل اللذة والشهوات الكمالية.

وبكلمة؛ ان الذي يريد العزة والكرامة والاستقلال والرقي يعد نفسه ومجتمعه اعداداً مناسباً، والنهج الحسيني هو الاعداد المناسب لكل تلك التطلعات. من هنا علينا اليوم أن ننفتح على هذه النفحة السماوية التي تفيض بها ملحمة عاشوراء. تعالوا نفكر جدياً وجذرياً كيف نبدأ الانعطافة الكبرى في حياة امتنا، ألا يكفي الذل والصغار، ألا يكفي التشريد والتشرذم، ألا تكفي الهزائم والويلات، ألا يكفي هتك الاعراض وقتل الاطفال و..و…؟

تعالوا نجعل من عاشوراء ميعاداً مع نهج السبط الشهيد، نجدد العهد معه بأن نظل حسينيين روحاً وعملاً.

تعالوا نبني ذلك التجمع الناهض الذي يحتمي بظل الاسلام الحنيف والنهج الحسيني الثائر ضد فتن الجاهلية وبغي الاستكبار وقيد الجبارين ومكر الطامعين.

ان الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.. تعالوا نضيء جنبات حياتنا المظلمة بهذا المصباح الإلهي..

تعالوا نتخذ من ذكرى عاشوراء الثائرة في كل عام مناسبة للدفاع عن المظلومين والمحرومين في العالم.

تعالوا نتحدى عواصف النوائب وأمواج النوازل بالاتجاه الى سفينة النجاة، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: ” كلنا سفن النجاة وسفينة الحسين اوسع وفي لجج البحار اسرع”.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: