سياسة الاستيطان الإسرائيلية: تراجع مفاجئ أم تحيّن للفرص؟

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن وقف مفاجئ لخطط بناء أكثر من 23 ألف وحدة سكنية في مستوطنات إسرائيلية. وما يزال من المشكوك به ما إذا كان ذلك كافياً لإنقاذ محادثات السلام بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

في خطوة لم يكن أحد يتوقعها منه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف خطط لبناء أكثر من 23 ألف وحدة سكنية في مستوطنات بالضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، بعد أن وافق عليها وزير الإسكان الإسرائيلي أوري آرييل في الثاني عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني.

ولم يثر الإعلان عن بناء هذه الوحدات السكنية غضب الفلسطينيين فقط، بل وأثار حالة من المفاجأة والقلق لدى الإدارة الأمريكية أيضاً. وبرر نتنياهو التراجع عن هذه الخطط، بحسب تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، بأنه يسعى “لتجنب مواجهة غير ضرورية مع المجتمع الدولي، بالنظر إلى النقاش الدائر حول برنامج إيران النووي”. يشار إلى أن إسرائيل تحذر المجتمع الدولي منذ أسابيع من التسرع في الوصول إلى اتفاق مع طهران حول برنامجها النووي.

لكن هذا التراجع لن يجعل من رئيس الوزراء الإسرائيلي معارضاً للاستيطان، إذ كان مجلس الوزراء قد صادق قبل أسبوعين من هذا القرار على بناء نحو 3500 وحدة سكنية استيطانية، وذلك إرضاء لممثلي الأحزاب اليمينية المتطرفة في حكومته ولحثهم على الموافقة على إطلاق سراح 26 معتقلاً فلسطينياً كبادرة حسن نية في المفاوضات الجارية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

دعم الاستيطان متواصل رغم قرار الوقف

منظمة “سلام الآن” الإسرائيلية، التي توثق النشاطات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تنظر بشك إلى القرار الإسرائيلي بوقف بناء الوحدات السكنية، إذ يقول ليئور أميحاي من المنظمة: “هذه أخبار جيدة. لكن على المرء أن لا ينسى ما يحصل في الضفة الغربية. فقبل أيام قليلة شهدنا الموافقة على بناء آلاف الوحدات السكنية مقابل إطلاق سراح عدد من المعتقلين الفلسطينيين … لهذا، لا يمثل هذا القرار وقفاً تاماً للبناء في الضفة الغربية، بل على العكس، نحن نرى أن هناك دعماً متواصلاً لسياسة الاستيطان”.

ويشير أميحاي إلى أن الخطط التي تم وقف تنفيذها، تتضمن بناء وحدات سكنية بمستوطنات في عمق الضفة الغربية. وتنتقد منظمة “سلام الآن” بشكل خاص خطط بناء وحدات استيطانية في المنطقة المسماة “E1″، الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة “معاليه أدوميم”، ما يعني تقسيماً للضفة الغربية إلى شطرين وتعقيداً لموضوع بناء دولة فلسطينية.

الصراع حول بناء المستوطنات ينسف كافة المحاولات الرامية إلى إعادة إحياء مفاوضات السلام بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ووصل الأمر إلى حد قول رئيس الولايات المتحدة آنذاك، جورج دبليو بوش، أثناء زيارة إلى رام الله سنة 2008، أنه لا يجب أن تبدو الدولة الفلسطينية المقبلة “مثل الجبنة السويسرية المليئة بالثقوب”.

وفي حقيقة الأمر، تنتشر المستوطنات اليهودية في كافة أرجاء الضفة الغربية المحتلة، وهو يجعل إقامة دولة فلسطينية أمرا في غاية الصعوبة. وحالياً يعيش نحو نصف مليون مستوطن وسط 2.7 مليون فلسطيني، بحسب إحصائية أعدها مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم). ويتركز معظم هؤلاء المستوطنين في جيوب محصنة فوق التلال تتمتع ببنية تحتية خاصة بها وبشوارع تربط فيما بينها. ومن هؤلاء المستوطنين، يعيش 190 ألفاً في القدس الشرقية التي تقطنها أغلبية فلسطينية. وبحسب أرقام منظمة “بتسيلم”، تم بناء 125 مستوطنة في القدس الشرقية منذ احتلالها سنة 1967، يضاف إليها نحو مئة “بؤرة استيطانية”، وهي عادة ما تكون “رأس حربة” مشروع استيطاني جديد.

الاستيطان مستمر رغم مخالفته للقانون الدولي

يعتبر الاستيطان في الأراضي المحتلة مخالفاً للقانون الدولي وينتقده المجتمع الدولي، تارة بشكل مفتوح وتارة أخرى بشكل أقل وضوحاً. لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تعر تلك الانتقادات أي اهتمام. حتى أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أرسل بإشارات واضحة لإسرائيل، على هامش زيارته الأخيرة إلى الشرق الأوسط في مطلع الشهر الحالي، بقوله: “تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى كافة المستوطنات على أنها غير شرعية”.

لكن في رام الله، ما يزال الفلسطينيون متشككين حيال استئناف مفاوضات السلام، في ظل عدم التزام إسرائيل بوقف الاستيطان. وفي هذا الصدد، تقول السياسية الفلسطينية حنان عشراوي: “لا يعقل أن تظل إسرائيل فوق القانون وأن تظل تلعب لكسب الوقت وفعل ما تريد فيما يخص بناء المستوطنات وتهويد مدينة القدس”.

وحتى بعد القرار الإسرائيلي بوقف خطط البناء الأخيرة، ما يزال الفلسطينيون يهددون بوقف المفاوضات، إذ أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أول أمس الأربعاء، في مقابلة مع قناة “سي بي سي” المصرية، أن فريق المفاوضين الفلسطينيين قدم استقالته، وذلك “احتجاجا على عدم تحقيق تقدم في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة وخيم عليها استمرار البناء الاستيطاني”. ولم يعلق كبير المفاوضين، صائب عريقات، على ما قاله عباس، إلا أنه أفاد بأن المحادثات متوقفة منذ ما يقرب الأسبوع.

ومن المتوقع أن تقوم الحكومة الإسرائيلية، وخاصة وزير الإسكان أوري آرييل، بمحاولة توسيع المستوطنات، لاسيما وأنه ينتمي إلى حزب “البيت اليهودي” اليميني المتطرف، الذي يرفض حل الدولتين ويمثّل مصالح المستوطنين في المجلس الوزاري. ولقد نجح هذا الوزير اليميني على الأقل في تجميد محادثات السلام التي أعادها وزير الخارجية الأمريكي إلى الحياة.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: