كلمة قائد الثورة الإسلامية المعظم خلال لقائه الحماسي مع أهالي مدينة تبريز مركز محافظة آذربيجان الشرقية

بسم الله الرحمن الرحیم(1)

والحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام علی سیدنا ونبینا أبي القاسم المصطفی محمد، وعلی آله الأطیبین الأطهرین المنتجبین، سیما بقیة الله في الأرضین، ولعنة الله علی أعدائهم أجمعین.

نرحّب بكم أجمل ترحيب أيها الإخوة الأعزاء والأخوات العزيزات.

إن من أبرز الأيام والمراسم التي تشهدها هذه الحسينية، هي ذلك اليوم الذي تتفضلون فيه أنتم الأعزاء بالمجيء إلى هنا من (محافظة) أذربيجان و(مدينة) تبريز، ألا وهو اليوم التاسع والعشرون من بهمن (18 فبراير / شباط) في كل عام.

تعدّ أذربيجان بارزة، وأهاليها بارزون، وأحداثها بارزة، ونهج أهالي تبريز وأذربيجان قائم دوماً على الإبداع والطرق الجديدة والأحداث المذهلة.. رحمة الله عليكم ولطفه مُدام لكم.

أودّ أن أتحدث قليلاً حول مناسبة تقارن هذه الأيام بأيام شهادة فاطمة الزهراء، الصديقة الكبرى (سلام الله عليها). علماً بأن المراسم التي أجريتموها، كانت جيدة ومؤثرة ومفيدة جداً(2). بيد أني أشير إلى نقطة واحدة وهي اتفاق المسلمين كافة – شيعة وسنة – على فضيلة الصديقة الكبرى (سلام الله عليها). فقد ورد هذا الحديث في كتب الفريقين: «فَاطِمَةُ سَیِّدَةُ نِسَاءِ أَهلِ‌ الجَنَّة»(3)، وهو يفوق قوله: «سَیِّدَةُ نِساءِ العالَمین»(4). من الذي يدخل الجنة؟ أفضل النساء، وأبرزهنّ، وأشدهنّ إيماناً وجهاداً، والشهيدات، واللاتي أشاد الله سبحانه وتعالى في كتابه بعظمتهنّ.. هؤلاء كلهم مجتمعون في الجنة، وإذا بفاطمة الزهراء (سلام الله عليها) «سَیِّدَةُ نِسَاءِ أَهلِ‌ الجَنَّة».. هذه منزلة في غاية السموّ والرِفعة.

ثمة دروس علّمتها فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) للبشرية جمعاء، وهي درس الشجاعة، ودرس التضحية، ودرس الزهد في الدنيا، ودرس نشر المعارف ونقلها إلى أذهان المخاطبين والآخرين، والجلوس على كرسي تعليم المعارف والعلوم للبشرية. نتمنى أن تنتهلون جميعاً، وأبناء أذربيجان الأعزاء كافة، والشعب الإيراني أجمع، والمسلمون قاطبة، من بركات هذه السيدة في النشأتين.

لا يتأتى لنا حقاً بيان عظمة اليوم التاسع والعشرين من بهمن بهذه التعابير القصيرة، فإنه يوم في غاية العظمة. ورغم أن مسيرة النضال في عام 1978 قد انطلقت من قم، واستمرت بعد تبريز في أماكن أخرى أيضاً، ولكني أقولها بجرأة: لولا حادثة التاسع والعشرين من بهمن سنة 1356 هـ.ش (18/2/1978)، لرُمِيَت حادثة التاسع عشر من دي (9/1/1978) في قم – على الأقوى – في بقعة النسيان، ولما تتالت بعدها تلك الأحداث المتسلسلة، وهذا يعني تغيير مسيرة التأريخ في البلد. فإن أهالي تبريز، بحادثة التاسع والعشرين من بهمن، وبنهضتهم، وإدراكهم الصائب، ومبادرتهم في الوقت المناسب واللحظة المناسبة، استطاعوا أن ينطلقوا بهذه الحركة العظيمة التي آلت إلى الثاني والعشرين من بهمن عام 1357 هـ.ش (11/2/1979) (ذكرى انتصار الثورة الإسلامية).. هكذا عظمة هذه القضية.

ولأشير أيضاً إلى مسيرة الثاني والعشرين من بهمن لهذا العام، والحق يُقال إنها كانت مسيرة متفاوة، سواء في تبريز، أو في المدن الأخرى، أو في طهران، أو في جميع أرجاء البلد. فإنّ هذه الحركة الجماهيرية الكبرى بعد تسعة وثلاثين عاماً – ونحن على أبواب الدخول في الذكرى السنوية الأربعين لانتصار الثورة – هي أشبه بالمعجزة. وهذا ما لا نظير له في أي بقعة من بقاع العالم.. أن يقوم الناس، لا الأجهزة الحكومية، بعد مضي كل هذه السنين – زهاء أربعة عقود – في ذكرى انتصار الثورة بالنزول إلى الساحة بأنفسهم، ويملأون الشوارع، ويُطلقون الشعارات، ويعبّرون عن حضورهم، ويدافعون عن ثورتهم، فهذا ما لم يسبق له مثيل في أي واحدة من الثورات التي نعرفها والتي اندلعت خلال القرنين أو الثلاث الأخيرة، ولم يحدث في الأزمنة الغابرة بطريق أولى، ولا يوجد له اليوم أيضاً نظير في أي بلد من بلدان العالم، وهو أمرٌ مختص بإيران، ومختص بكم. وفي هذا العام ظهور حالات العِداء المختلفة وممارسات الأعداء في الخارج وفي الداخل وفي أمريكا وفي بعض دول الجوار السيئة والناكثة للعهود، أدى بالناس إلى أن يحملوا مزيداً من الدوافع والمحفزات، وأن ينزلوا إلى الساحة، وأن يخلقوا مسيرة متفاوتة في هذا العام. وهذه كلها درسٌ لنا.

“راية الثورة الطاهرة مأمنٌ لنا منذ أربعين عاماً” جملة قرأتموها هنا وهي تعبّر عن حقيقة.. أربعون عاماً ومأمن الناس هو راية الثورة الخفاقة والمرفرفة. فقد أبحتم بما يضمره الشعب الإيراني وأصبتم في القول. هذا في الوقت الذي يوجد لدى الناس انتقادات على بعض قضايا البلد الجارية، لا أنهم لا يحملون أي انتقاد.. نحن على علمٍ كاملٍ بما يساور الناس من انتقاد وشكوى وعتاب، وهم يطرحوها علينا وعلى الآخرين الذين ينقلوها لنا، ولكن إذا دار الحديث عن الثورة والنظام، تجدهم ينزلون إلى الساحة وينطلقون بهذه الصورة.

لقد بلغ الشعب الإيراني من الوعي الثوري والسياسي – بتوفيق الله – ما يمكّنه من التفريق بين النظام الثوري القائم على أساس «الأمة والإمامة» وبين التشكيلات البيروقراطية. حيث تراهم ينتقدون قضية ما، ولكنهم يدافعون عن أساس النظام المنبثق من الثورة بكل كيانهم. وقولنا بأن لهم انتقاداتهم، لا يعني أن الانتقادات مقتصرة على الحكومة والمجلس والسلطة القضائية وحسب.. كلا، بل قد يحمل البعض انتقاداً تجاهي أنا الحقير أيضاً، بيد أن هذا الانتقاد لا يتنافى أبداً مع الثبات على النظام الإسلامي والنظام الثوري ونظام «الأمة والإمامة»؛ النظام الذي تأسس على أساس ثورة هذا الشعب وتضحياته، والذي ذهب مئات الآلاف من الشهداء في سبيله إلى مصارعهم على مدى هذه الأعوام الأربعين.

في هذه المناسبة التي جمعتنا بكم أنتم الأعزاء الذين تفضلتم بالمجيء من مكان بعيد، أطرح عليكم بضعة نقاط مادامت الفرصة متاحة. إنّكم أحباء لا يسع لمثلي إلا وأن يحمل تجاهكم وداً وحباً وإخلاصاً من مكنون قلبه، فإن ما تتسمون به من صفاء وحمية وحركة ثورية بيّنة يستعشر المرء أنها لا تقتصر على اللسان وإنما تتجلى في العمل أيضاً، تستهوي كل أحد. وهذا ما تلمّستُه بكل معنى الكلمة منذ المرة الأولى التي زرت فيها تبريز وأذربيجان بعد الثورة – حيث كانت لي رحلات متعددة -. وفي نفس ذلك الوقت – وبعد زيارة تبريز إبان رئاسة الجمهورية – تشرّفت بخدمة الإمام (الخميني) وقلت له: تبريز من جنس آخر، وأهل تبريز يُظهِرون للإنسان حقيقة ثورية متحمّسة مقتدرة عارمة أخرى، رغم أن الشعب الإيراني برمته كان يتسم بالحماس الثوري في تلك الأيام، ولكن تبريز كانت شيئاً آخر. ونحن هنا اليوم أمامكم أنتم الأعزاء من أهالي تبريز ومن شتى مدن أذربيجان، نطرح عليكم نقاط عدّة، علماً بأنّ المخاطب هو الشعب الإيراني كافة.

نقطة حول الثورة وآثارها الرئيسية، ونقطة في معرفة آفات الثورة، ونقطة – إن سنحت الفرصة – في بيان الأولويات والمرجّحات التي تُمليها الثورة علينا في هذه الرحلة ولابد لنا من مراعاتها، ونقطة بشأن مستقبل الثورة.. هذه أقوال هامة وضرورية، ويبدو أن طرحها على جمعكم أنتم الأعزاء – الذين تتمسون بالنزعة الثورية وتناصرون الثورة حقاً – هو الأنسب؛ أي إن طرح مثل هذه المسائل على طائفة من أمثالكم يعدّ هو الأفضل حقاً.

فيما يخص قضية الثورة وآثارها (أقول:) لقد كانت الثورة حركة كبرى جداً، وأعتقد أننا بعد مضي نحو أربعين عاماً على انتصار الثورة، مازلنا لم نُدرك أبعاد هذه الثورة وعظمتها بشكل صحيح. وفي المستقبل حين يجلسون وينظرون إلى هندسة الثورة من بعيد، سيتّضح أكثر ماذا كانت الثورة وماذا صنعت وماذا حصل لها؟ إن آثار الثورة لكثيرة جداً، وإن الخدمات التي قدّمتها الثورة لهذا البلد خدمات جمة للغاية، وتوجد في هذا الشأن لائحة طويلة – علماً بأن الأعداء ينكرون ذلك، إلا أنها حقائق جليّة – غير أن العمل الأساس الذي عمدت إليه الثورة، هو تبديل النظام القائم على سيادة الطاغوت بالنظام القائم على سيادة الشعب؛ هذا أهم ما قامت به الثورة، وذلك بالاستلهام من التعاليم الإسلامية، لا المدارس التابعة لهذا المنظّر أو ذاك بما ينطوي عليه كلامه من نقائص وتناقضات.. كلا، بل بالاستلهام من الإسلام ومن القرآن. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾(5). النظام الإلهي يقف في مواجهة نظام الطاغوت، والجمهورية الإسلامية والثورة الإسلامية فسّرت النظام الإلهي بالنظام القائم على أساس سيادة الشعب الدينية. وهذا هو مفهوم الجمهورية الإسلامية، حيث بدّلت نظام الطاغوت إلى نظام مبنيّ على سيادة الشعب، وهذا هو العمل الأهم.

سيادة الشعب تعني أن الناس هم الأساس، لا في تعيين الحاكم وحسب؛ ذلك أننا ما إن نتحدث عن سيادة الشعب، تتبادر أذهان الجميع إلى صناديق الاقتراع – وهذا صحيح، فإن تعيين رئيس الجمهورية، وتعيين خبراء القيادة وفي الواقع تعيين القائد، وتعيين الأجهزة المختلفة، كله في الحقيقة يتم على أيدي الناس – وهذا أمر مفصليّ وهو صحيح، ولكن لا يقتصر الأمر عليه. والمهم هو أنّ السيادة الشعبية تعني أن يكون الناس أصحاب الرأي والتدبير والقرار في جميع شؤون الحياة، وهذا بالضبط على النقيض مما كان عليه البلد قبل الثورة خلال قرون متمادية.

منذ قرون طويلة والبلد هذا يعاني من استبداد الطواغيت والسلاطين، والناس لم يكن لهم محلّ من الإعراب، بل كان الطاغوت الرئيسي والطواغيت المحيطين به هم الذين يتخذون القرار، وهذا يعني استبداد مطلق. والناس لم يكونوا إلا وسيلة بغية أن يتأمّروا عليهم، فإن من يريد التأمّر، لابد وأن يتأمّر على أحد، وهو الناس. ولذلك حافظوا على الناس في سبيل أن يتأمّروا عليهم.

ومنذ أواسط فترة القاجار أضيف مرض آخر أيضاً وهو الهيمنة الأجنبية والنفوذ الأجنبي والاستعمار الأجنبي الذي لم يكن قبل ذلك. ففي فترة الصفوية على سبيل الفرض أو فترة نادرشاه وغيره، كان الاستداد ولكن دون أن يكون النفوذ، بيد أنه منذ أواسط فترة القاجار – أي من أواخر حكومة ناصرالدين شاه فما بعد – تغلغلت الهيمنة الأجنبية أيضاً. وعلى وجه التحديد بدأ النفوذ البريطاني في إيران منذ عام 1800 للميلاد، حيث دخل مندوب دولة الهند – وكانت دولة بريطانية – إلى البلد، وهذا ما تطرقتُ إليه في بعض الكلمات بالتفصيل، ولا أروم (الآن) أن أخوض هذا البحث. فاقترن النفوذ الأجنبي بالاستبداد، وأضيفت الهيمنة الأجنبية إلى هيمنة الطاغوت، حتى آل الأمر إلى أن يقوم البريطانيون بعزل السلسلة القاجارية التي كانت متأثرة بهم، وظهرت سلسلة أخرى. فالبريطانيون هم الذين جاؤوا برضاخان، ثم عزلوه لسبب ما وأحلّوا ولده محله، ومن بعد ذلك دخل الأمريكيون المعترك منذ أواسط الأمر، وأصبحوا هم الآمرون والناهون في هذا البلد، وذلك عبر (حضور) آلاف المستشارين الأمريكيين. والسيادة الشعبية تقف على النقيض من ذلك، أي إنها تحول دون الاستبداد ودون الهيمنة الأجنبية.. هذه هي السيادة الشعبية.

وكما ذكرنا فإن السيادة الشعبية هذه لا تتلخّص في إدارة البلد السياسية، وإنما تشمل تقديم الخدمات في المدن والأرياف، وإحياء روح النهوض بإنجازات كبرى في البلد – وهذا ما تشهدون مثاله ومصداقه الحقيقي في تشكيل الحرس الثوري، وفي تأسيس جهاد البناء، وفي إيجاد التعبئة.. فجأة تتولّد في البلد حقيقة كجهاد البناء التي تقوم بكل تلك الأعمال الكبرى على مدى بضعة أعوام، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحرس الثوري والتعبئة، وهذا كله ناجم عن حضور الناس -، وتربية وتفجّر المواهب الشعبية وطاقات البلد الإنسانية.

أنتم الشباب لم تشهدوا ذلك الزمان والقدامى يعلمون بأننا كنّا نستورد الأطباء من الفلبين والهند ونحو ذلك، لا للعمل في الأرياف والمدن النائية، بل أحياناً حتى في المدن القريبة جداً. فالبلد الذي كان عاجزاً إلى هذا المستوى من حيث الطاقات الإنسانية، أخذ يظهر ويبرز لدرجة أضحى في المجال الصحي على سبيل المثال قطباً جذاباً في المنطقة، بحيث أن الناس اليوم يفدون إليه من الأطراف لمعالجة الأمراض المستعصية، ويتعالجون في مستشفياتنا وعلى يد أطبائنا. فالمواهب البشرية تتفجّر، وفجأة تجدون البلد في المجال العلمي الفلاني النادر الحديث يتبوّأ المرتبة الرابعة أو الخامسة في العالم بين مئتي بلدٍ ونيّف، وهذه هي السيادة الشعبية التي تعد واحدة من آثارها إحياء المواهب والاستعدادات.. هذه هي نتيجة الثقة بالناس والاهتمام بهم حين ينزلون إلى الساحة، حيث يتولّد فيهم الشعور الوطني بالاتكاء على النفس، وعندها يتقدمون في المجالات العلمية وفي الميادين الصناعية وفي العلوم الحديثة وفي التأثير السياسي في المنطقة، وهذا كله ناجم عن حضور الناس وتأثيرهم على أحداث البلد. حيث يتسم البلد والشعب بالعظمة.

ولكم أن تنظروا اليوم إلى البلد الفلاني التابع لأمريكا على سبيل المثال، يبيع يومياً عشرة ملايين برميل من النفط، وتوجد في خزانته أموال طائلة، ولكنه بلد فقير متخلّف، وشعبه لا يُذكر أبداً، ولم يبرز من ذلك البلد سوى نفرٌ من الطواغيت المترأسين، وأما شبعه فلا يوجد منه خبر ولا أثر في أي بلد من بلدان العالم بأنه أنجز هذا العمل وقام بهذه الحركة، على خلاف ما لو أقيمت سيادة الشعب الدينية، كما في الجمهورية الإسلامية وفي بلدنا العزيز. فإن الشعب الإيراني بارز في أنظار العالم، ومن هنا يتجّه عِداء الأعداء باتجاه الناس. فإن الأمريكيين الذين يعادوننا في الوقت الراهن لا يعادون هذا الحقير أو عدة أشخاص من رجال الحكومة، بل يعادون الشعب، لأن بيده مقاليد الأمور في البلد. وإن إنجازات الشعب وعظمته هي التي تغيظ الأعداء وتثير ثائرتهم. ففي (تحقق) السيادة الشعبية ترتفع أهمية الشعب، ويتسم بالشخصية، ويتمتع بالوجاهة العامة والدنيوية، ويتصف بالعزة والاحترام، وهذه كلها لم تكن إبان حكم الطاغوت، وإنما وُلدت في زمن الجمهورية الإسلامية وببركة الثورة.

ومن ثمار السيادة الشعبية تقدم البلد، وحالات التقدم مُذهلة حقاً. لقد أطلقنا على العقد الرابع من الثورة عنوان التقدم والعدالة، وقد تحقق التقدم في البلد بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى، ولكن لا أتحدث عن العدالة، لأننا متأخرون في هذا المضمار، وهذا ما لا شكّ فيه، ونحن نعترف ونقرّ به. حيث كان من المفترض أن نحقق نجاحاً في التقدم وفي العدالة أيضاً. ولقد نجحنا في مجال التقدم بكل معنى الكلمة، وتقدمنا حقاً في جميع الساحات. ولكن علينا في موضوع العدالة أن نبذل جهودنا ومساعينا، وأن نعتذر إلى الله تعالى وإلى أبناء شعبنا الأعزاء، ذلك أننا نعاني من مشكلة في هذا الشأن، وبإذن الله تعالى سنتقدّم في هذا الجانب أيضاً بهمة الأكفاء والمؤمنين من الرجال والنساء، بنيما أُنجزت في مجال التقدم المادي أعمالٌ كثيرة وهامة جداً.

التقدّم لا يعني أن يستملك الأجانب أموال بلدٍ ويصنعون له برجاً.. هذا ليس بتقدم. ثمة أناسٌ ينظرون إلى بعض البلدان المحيطة بنا والمبنيّة ثروتها على النفط، ويجدون أنها تمتلك مطاراً كذائياً أو برجاً كذائياً! كلا.. ليس هذا بتقدم. فأن يستولي الأجانب على أموال بلدٍ ويستحقرون شعبه ويصنعون له برجاً، لا يعدّ هذا تقدماً بل هو تراجع وخسارة. فإنّ أعلى برجٍ في المنطقة اليوم يوجد في أكثر البلدان خوراً ووهناً! أفهل يعدّ هذا تقدماً؟! التقدم هو أن يقوم بلد وشعب، عبر طاقته وإرادته وعزمه وعلمه واستيعابه، بإيصال نفسه إلى الصفوف الأمامية.. هذا هو التقدم، وهذا ما تحقق في بلدنا والحمد لله.

نحن اليوم قطبٌ في مجال الطب والعلاج، ولدنيا درجة علمية عليا في العالم، وأصحاب رأي في قضايا المنطقة، وارتفع مستوانا العلمي في القضية النووية، وفي مجال النانو، وفي التقنية الحيوية، وفي الفضاء الافتراضي، وهذا تقدم. وإنّ الكثير من شبّاننا يملكون من الاستعداد والموهبة ما يجعلهم يترقّبون إشارة واحدة حتى يبلغوا الذرى. ونحن المدراء مقصرون قليلاً في هذا المجال، وإلا فلو واكبنا الشباب أكثر، لحلّقوا حقاً في الميادين العلمية والتقنية والخدمية وفي المهام المختلفة، كما يحلّقون في المسائل المعنوية. نحن قد حقّقنا تقدماً بالغاً في مجال الأمن والدفاع والزراعة والصحة والعلم والطرق وأمثالها، وكان تقدمنا جيداً والحمد لله.. لقد حققنا تقدماً جيداً في عقد التقدم والعدالة، وهذا ناتج عن الثورة. علماً بأن لدينا ضعف في الإعلام، وهذا ما قد يتسبب في ألّا تطلع شعوب البلدان الأخرى على هذه القضايا، ولكن الأعداء على اطلاعٍ بالكثير منها. وأقولها: نحن أقوياء في كثير من المسائل، ولكننا ضعفاء في الإعلام، ونتصف بالتقاعس والضعف وقلة الإبداع في مجال الإعلام وفي بيان ما تم إنجازه، وعلينا أن نتطوّر في هذا المضمار. بيد أن الذين يعادوننا ويرصدون جميع قضايانا يشهدون حالات التقدم في البلد، ويعلمون أن البلد كم قد حثّ الخطى وتقدم إلى الأمام.

إذن فالثورة قامت بإنجاز كبير في البلد: أنقذت البلد من حالة البؤس والتعاسة، وخلّصت الشعب من الخضوع والذلّ والهوان، فأضحى شعبنا اليوم شامخاً مرفوع الرأس، وهذا أهم إنجاز لأي بلد وأي شعب. ومن هذا النمط كثير، يحتاج إلى لائحة طويلة، سوى أن إعلامنا ضعيف كما ذكرت. إنني أوصي المسؤولين لا بلسان المبالغة، ولا بالتقرير اللساني وحسب، بل بصورة عملية وفنية، أن يقدّموا التقارير الصحيحة حول أنواع وأقسام حالات التقدم في البلد، وذلك ليتنبّه المشكّكون والغافلون – علماً بأن البعض يطعنون لا عن غفلة بل عن عمد – ولتطّلع كذلك الشعوب الأخرى على ما أنجزته الثورة.. هذا ما يخص قضية الثورة.

وفيما يرتبط بمعرفة آفات الثورة، بما أن الوقت قد أدركنا وقارب الظهر، أتناول هذا الموضوع باقتضاب. واحدة من أهم الآفات التي تواجه الثورات برمتها هي الرجعية. ما معنى الرجعية؟ معناها أن هذه الحركة التي انطلقت الثورة بها وأخذ الشعب يسير في مسيرها بسرعة وقوة ثورية، تضعف في بعض المواطن، ثم تتوقف، وبالتالي تعود، هذه هي الرجعية.. الرجعية تعني العودة. وإن جميع الثورات الكبرى التي نعرفها عبر التأريخ – كثورة فرنسا، وثورة الاتحاد السوفيتي، والثورات التي اندلعت في الدول الأفريقية وفي أمريكا اللاتينيّة وفي بلدان أخرى – قد بُلِيَت في السنيّ الأولى من عمرها بهذا البلية دون استثناء تقريباً. وأما أن تمضي أربعون عاماً وشعارات الثورة لم يطرأ عليها أي تغيير وتبدّل، فهذا ما لا وجود له في أي واحدة من هذه الثورات؛ ذلك أننا استطعنا أن نحافظ على شعاراتنا. ولكن الأمر خطير، ومن واجبي أن أحذّر شعبنا العزيز من هذا الخطر. نحن لو اتجهنا باتجاه الأرستقراطية، فهذه حركة صوب الرجعية، ولو أولينا اهتمامنا بالطبقات الثرية والمتطلّبة في البلد بدلاً من الاهتمام بالطبقات الضعيفة، فهذه حركة صوب الرجعية، ولو اتكأنا على الأجانب وعقدنا آمالنا عليهم بدلاً من الاتكاء على الناس، فهذه حركة صوب الرجعية، وهذا ما لا ينبغي حدوثه. يجب على النخب في المجتمع أن يتنبّهوا، وعلى المدراء في المجتمع أن يلتفتوا، وعلى المسؤولين في البلد أن يراقبوا بشدة، وعلى الناس أن ينظروا ويرصدوا سلوكنا نحن المدراء بحساسية. فالرجعية أمر خطير، إذا ما تحققت، يعني أن بيد نفس أولئك الأشخاص الثوريين القدامى مقاليد الأمور، ولكن الخط والنهج قد غيّروه. وكأن الثورة وقعت لأن يتنحّى أولئك ونمسك نحن بزمام الأمور! لم تحدث الثورة من أجل ذلك. الثورة تعني التحوّل.. الثورة تعني تغيير المسير.. الثورة تعني التطلّع إلى الأهداف العليا والتحرك باتجاهها، ولو نسينا هذه الأهداف لا تبقى ثورة بعد.

يتصوّر البعض أن الثورة انطلقت في سنة 1979 وحسب ثم انتهت، وهذا تصوّر خاطئ. فالثورة ابتدأت في سنة 1979 لا أنها انتهت، وهذه بداية للتغيير، وبداية لحركة إصلاحية في المجتمع انطلقت سنة 1979 في الثاني والعشرين من بهمن (11 فبراير / شباط)، ولابد لهذه الحركة بالتدريج أن تزداد عمقاً وسِعة وانتشاراً، وأن تواصل مسيرتها بمزيد من التعقل والحكمة، لا أن تتوقف عن المسير. ولو قلنا فلانٌ ثوريٌ، لا ينبغي أن نستنبط من ذلك مفهوماً سلبياً ونعتبر فلاناً ثورياً يعني أنه إنسان غير مفكر وإنسان طائش.. كلا، ليس الأمر كذلك. نعم، إن النظام الإداري في البلد محترم، والدستور محترم، ويجب على الجميع مراعاة أصول الدستور، فقد صُبَّت الثورة في هذا القالب، ولابد من الحفاظ على حرمة هذا القالب، وهو أمر ضروري.

وأن نتصوّر أيضاً بأن الثورة يمكن تفسيرها من دون نظام، فهذا خطأ آخر وقع فيه الجانب الآخر، حيث يتصور البعض أنّ على المرء أن يطلق لسانه في الاعتراض والانتقاد باسم الثورة على كل شيء وعلى جميع الأحداث وعلى كافة مفاصل الثورة الإسلامية.. كلا، هذا مرفوض. فالثورة تعني النظام الثوري. ولابد لهذا النظام الإسلامي وهذا النظام القائم على أساس الأمة والإمامة، أن يكون نظاماً مبنياً على سيادة الشعب الدينية بأهداف ثورية وبحركة ثورية وباتجاه ثوري.. هذا ما يجب تحققه. ومن مواطن الشكر أن الجماعة الثورية لدينا غير قليلة، وأن الثورة في أوساط أبناء الشعب عملة رائجة والحمد لله، وأولئك الذين يناصرون الثورة بكل معنى الكلمة بين المدراء أيضاً ليسوا بالقلائل. فلا ينبغي أن تزول هذه الحساسيات.

في إحدى رحلاتي إبّان رئاسة الجمهورية، سافرت إلى إحدى الدول الأفريقية، وكان قد مضى على انتصار الثورة في ذلك البلد عدة أعوام – سبعة إلى عشرة أعوام -، وكان رئيس الحكومة، وهو رجل أسود، قائداً للثورة وأصبح اليوم رئيساً للحكومة. فرأيتُ أن هذا الرئيس الذي استضافنا، سلوكه في بلده يماثل سلوك ذلك الجنرال البرتغالي الذي كان حاكماً على هذا البلد قبل انتصار الثورة فيه.. السلوك هو السلوك ذاته. لقد كان هذا البلد على ما يبدو مستعمَراً من قبل أسبانيا أو البرتغال، وبطبيعة الحال كان يحكم البلد سياسي عسكري برتغالي لسنوات، وإذا بسلوك هذا الرجل الذي هو رئيساً للثورة، يماثل سلوك ذاك! أي ثورة هذه؟ (يماثله) في نظرته إلى الناس وفي نظرته إلى المحيطين به وفي نظرته إلى المخاطبين. والجمهورية الإسلامية بعيدة عن هذه الحالة.. كانت بعيدة حتى اليوم والحمد لله، وستكون بعيدة بعد اليوم أيضاً. وأما أرستقراطية المسؤولين واستزادتهم وعدم الاكتراث ببيت المال وعدم الاهتمام بالطبقة المستضعفة، فهذه حركات مناهضة للثورة. ويجب على كل تشكيلات النظام أن تنطلق بالنظر إلى أهداف الثورة.

أودّ أن أشير هنا إلى هذه المسألة أيضاً، وهي أن القضية المهمة المطروحة في الوقت الراهن هي القضية الاقتصاية. ولربما يعتقد كل المسؤولين والمطلعين والعارفين وأبناء الشعب بأن الاقتصاد يمثل اليوم أحد قضايا البلد الرئيسية. ولكن ما الذي ينبغي فعله في سبيل إصلاح اقتصاد البلد؟ إحدى الطرق هي الاتكال على الناس، أي الاقتصاد المقاوم. هذا ما أعلنّاه، وصادق عليه المسؤولون في البلد بأجمعهم، دون أن يعارضه أي أحد، واليوم بالطبع قد يُسمَع تذمّرٌ من هنا وهناك، ولكن حين تم إبلاغ سياسات الاقتصاد المقاوم، صدّق جميع المسؤولين في البلد بأن هذا هو السبيل الوحيد. والاقتصاد المقاوم لا يعني الانغلاق والتقوقع في داخل البلد، ولا يقولنّ أحد: «نريد أن نتعامل مع العالم»! ففي الاقتصاد المقاوم يوجد التعامل مع العالم، ولكن يقال: يجب أن يقع الاعتماد على الناس.. الاقتصاد المتدفق من الداخل والمتطلّع إلى الخارج. فلابد أن تتدفق الحركة الاقتصادية من داخل البلد، ومن قدرات الناس وطاقاتهم وأرصدتهم. ويجب أن تُتَّخذ الإجراءات التي تُفضي إلى توظيف هذه الأرصدة والقدرات والطاقات وإلى إيجاد الثروة في الداخل، وهذا ما يحتاج إلى خطة وتدبير. فلا نسمّر أعيننا إلى الخارج. علماً بأننا لو أردنا إنعاش اقتصادنا الداخلي، لابد أن يكون لنا تصدير جيد، واستيراد للأمور (التي نحتاجها)، وعلاقات اقتصادية، وهذا ما لا شك فيه. وليكن للأجانب استثماراتهم في الداخل، وأنا لا أعارض استمثار الأجانب، ولكن يجب أن تكون مقاليد الأمر وزمامه بيد المدراء في الداخل؛ هم الذين يجب عليهم اتخاذ القرار وإدارة الأمور، ولا يبنغي إيكال الأمر إلى الأجانب. ولو أوكل الأمر إليهم، سيخرج زمام العمل من يد المدراء في الداخل. وقد وقعت في هذا المجال أحداث باعثة على الاعتبار.

جاء إلى طهران رئيس إحدى الدول المعروفة في المنطقة – ولا أروم ذكر اسمها، وهي من الدول الآسيوية المتطورة نسبياً والمتقدمة حقاً من الناحية الاقتصادية ومن حيث النموّ الاقتصادي – قبل اثني عشر أو ثلاثة عشر عاماً والتقاني، وكان ذلك في الوقت الذي ضربت دول شرق آسيا هزة اقتصادية كبرى، وهو رئيس أحد هذه البلدان. جاء للقاء بي، وما إن دخل الغرفة، قال فيما قال ضمن أولى كلماته: «أصبحنا نستجدي بين ليلة وضحاها».. هذه هي نتيجة الاقتصاد التابع لرأسمال وإرادة مستثمر يهودي وغربي وأمريكي.. بلدٌ قائم بذاته، نشيط اقتصادياً، يتمتع بنموّ اقتصادي عالٍ، يخاطبني رئيسه قائلاً: أصبحنا نستجدي بين ليلة وضحاها! هذا هو الاتكاء على الخارج. ونحن قد شاهدنا (مغبّة) الاتكاء على الأجانب في قضية الاتفاق النووي، حيث وثقنا بهم في المفاوضات النووية دون أن نجني ثمرة من هذه الثقة. ولحسن الحظ نجد للمسؤولين في البلد مواقف جيدة، وإني حقاً أشكر وزير خارجيتنا، حيث اتّخذ تجاه خبث الأمريكيين وتذبذب الأوروبيين موقفاً حاسماً وجيداً جداً؛ أُذيع جانب منه ولم يُذَع الجانب الآخر ونحن على علم به، فقد تصدى لهم بكل قوة واقتدار. نعم، هذا هو السبيل. فلابد من التصدي لهم، ومن إظهار العزة الوطنية في العلاقات الخارجية. والاتكاء على الأجنبي أمر خطير، يؤدي به إلى أن يفرض هيمنته على مقدرات البلد تدريجياً عبر طرق مختلفة، فلا ينبغي الاتكال على الأجانب، وإنما يجب الانتفاع بهم والاستفادة منهم، لا الاتكاء عليهم والثقة بهم. هذه واحدة من المسائل الهامة جداً والتي يجب على جميع المسؤولين في البلد أن يلتفتوا إليها حقاً.

نحن على أعتاب الذكرى السنوية الأربعين لانتصار الثورة.. أربعون عاماً في تأريخ الشعب لا يعد زمناً طويلاً بل هو شيء قصير. ولقد تجشّم شعبنا على مدى هذه الأعوام الأربعين عناءاً كبيراً، وتحرّك حقاً في طريق صخري، وقد فُرض الحظر علينا منذ السنة الأولى ومنذ اليوم الأول تقريباً، واستمر هذا الحظر بأشكال متنوعة وزاد حجمه. وكل ما حدث من تقدم وتطور كان في زمن الحظر، وهذا يعني أن الحظر كان قائماً ضدنا ونحن حققنا هذا التقدم، وفي ذلك دلالة على قدرة الثورة وقدرة الشعب الإيراني.

إن لدينا أولويات: يجب علينا أن نرجّح الإدارة الجهادية على البيروقراطية المتهرّئة.. هذه هي إحدى أولوياتنا المتمثلة في الإصرار على الإدارة الجهادية. وعلى مسؤولي البلد في السلطة التنفيذية وفي السلطة القضائية وفي القطاعات المختلفة أن يتابعوا الإدارة الجهادية. علماً بأن الإدارة الجهادية لا تعني عدم الانضباط، وإنما تعني العمل الدؤوب، والحركة بتدبير، والمثابرة ليل نهار، ومتابعة العمل.

وفي إطار السياسة الداخلية يجب ترجيح الناس على الجاليات الحزبية والفئات التيارية وأمثالهم، فإن الناس هم المقدَّمون على الجميع.

وفي مجال الخدمة ينبغي ترجيح المستضعفين والمناطق المظلومة والأماكن النائية على المتموّلين. ولحسن الحظّ فقد تم الاهتمام على مرّ هذه الأعوام بالكثير من المناطق التي لم تشهد إعماراً على الإطلاق، سواء من قِبَل الأجهزة المسؤولة، أو حتى الأجهزة التي لا تملك مسؤولية مباشرة. فالحرس الثوري في (محافظة) سيستان وبلوشستان على سبيل الفرض، قدّم إنجازات خَدَمية كبرى، رغم أن عمله ليس عملاً خَدَمياً، ولكن الخدمات المبذولة إلى الناس بواسطة الحرس الثوري في المنطقة الفلانية المحرومة خدمات مُبهرة حقاً.. هذه أعمال لابد من متابعتها، ويجب على جميع الأجهزة في البلد مراعاة هذه الأولوية.

وفي سياسات البلد الدفاعية، لابد من متابعة وتحديث كل الأساليب وكافة الأدوات التي يحتاج البلد إليها في الحاضر والمستقبل. ولا ينبغي لنا أن نتريّث لحظة واحدة في ضرورة التحرك باتجاه كل ما يحتاج البلد إليه للدفاع عن نفسه، حتى ولو وقف في وجهه العالم أجمع. أولئك الذين يهدّدون البشرية على الدوام بأسلحتهم الذرية والنووية المدّمرة، وجّهوا اليوم أنظارهم نحو صواريخ الجمهورية الإسلامية قائلين: «لماذا تصنعون الصاروخ»! وما شأنكم بذلك؟ هذه هي وسيلتنا الدفاعية، وآلية دفاع البلد، فلابد أن يكون بمقدور الشعب هذا أن يدافع عن نفسه. يقولون: لا تمتلكوا وسيلة دفاعية كي يتسنى لنا أن نفرض عليكم كل ما يحلو لنا بالقوة! علماً بأننا نحرّم على أنفسنا امتلاك بعض الأمور ولا نسعى وراءها – كالأسحلة النووية وأسلحة الدمار الشامل التي لا نريد امتلاكها – ولكننا لا نتريّث ولا نتوانى في الحصول على ما نحتاج إليه.

وفي السياسة الخارجية ينبغي ترجيح الشرق على الغرب، وترجيح الجار على البعيد، وترجيح الشعوب والبلدان التي لها معنا قواسم مشتركة على غيرهم.. هذه هي إحدى أولوياتنا في هذا اليوم.

وفي الشأن الاقتصادي تمثل فرص العمل والإنتاج القضية الأولى. لقد عنونتُ هذا العام بعنوان «الإنتاج وفرص العمل»، ولابد في هذا المجال من السعي والعمل، وعلى كل المسؤولين في البلد أن يبذلوا جهودهم في هذا الشأن. علماً بأن هنالك أعمال قد تم إنجازها في هذا العام، وقدّموا بعض الإحصائيات، بيد أن ذلك الشيء المطلوب يحتاج إلى بذل مزيد من الجهد. إذ يجب علينا أن نعمل ما من شأنه رفع أرقام توفير فرص العمل والإنتاج المحلي في البلد، فإن معالجة اقتصاد البلد يكمن في ذلك.

وأودّ أن أتحدث عن مستقبل البلد أيضاً. اعلموا: أولاً يجب على الشباب أن يُعدّوا أنفسهم من الناحية العلمية والعقائدية ومن حيث المحفزات الثورية، ولابد أن يكون الشباب دوماً على أهبة الاستعداد. ذلك أن الشباب يمثلون الماكنة المحرّكة للثورة، وهذا ما كان منذ اليوم الأول ومازال قائماً حتى اليوم. ولحسن الحظ فإن الشابّ المعاصر يتسم بالعزيمة والهمة والبصيرة، وتعداد هؤلاء أكثر من عددهم في بداية الثورة لا بنفس المقدار. فإن بصيرة شباب اليوم وعمق معرفتهم تفوق الكثير من الشباب في بداية الثورة، ولا يوجد لدينا في هذا المجال أي نقص والحمد لله. فعلى الشباب أن يُعدّوا أنفسهم، وعلى المراهقين الذين يسيرون إلى مرحلة الشباب أن يُعدّوا أنفسهم. فإن الأفكار الثورية والمحفزات الثورية والبصيرة الثورية والمبادرة الثورية، تعد من رؤوس المسائل التي يجب أن تُطبع في ذاكرة شبابنا.

وليعلم الجميع بأن الجمهورية الإسلامية قوية ومقتدرة للغاية. وسبب اقتدارها يعود إلى أنه أربعون عاماً والدول المستكبرة الخبيثة في العالم برمتها تريد الإطاحة بها والقضاء عليها ولم تتمكن من ارتكاب أية حماقة.. سبب اقتدارها يعود إلى بقاء الجمهورية الإسلامية على مدى هذه العقود الأربعة، وحياة الجمهورية الإسلامية في ظلّ هذه الأجواء المتأزمة وهذه الأوضاع المتفاقمة وفي ظلّ حالات العِداء الكبرى. وهذا مؤشر على أن هذه الغرسة قد تبدّلت اليوم إلى شجرة باسقة لا يمكنهم زعزعتها، وأصبحت صرحاً مشيداً وقويماً جداً وسيقوى أيضاً. فاعلموا أن الجمهورية الإسلامية ستقوى.. نحن نعلم بالتهديدات، ونسمع الأقاويل، وتصل إلى مسامعنا الأقوال التي يتفوّهون بها جهاراً، وتطرق مسامعنا أحياناً الكلمات التي يطرحونها في مجالسهم سرّاً، ونعلم بالمؤامرات التي يحوكونها ضدّنا، ولكنني رغم كل هذا أكرّر قول الإمام بأنّ “أمريكا لا تستطيع أن ترتكب أية حماقة”(6).

لقد سُررتُ بلقائكم أيها الأحباء كثيراً، وأبلغوا سلامي لأهلنا الأعزاء في تبريز كافة.

والسلام علیکم ورحمة الله وبرکاته

الهوامش:

1 ـ في بداية هذا اللقاء ألقى حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد علي آل هاشم، ممثل الولي الفقيه في محافظة آذربيجان الشرقية وإمام جمعة مدينة تبريز كلمة بالمناسبة.

2 ـ إشارة إلى تراتيل وأشعار جماعية في مدح أهل البيت (ع) قدّمها الحاضرون قبل كلمة قائد الثورة.

3 ـ أمالي الصدوق، ص 125.

4 ـ الكافي، ج 1، ص 459.

5ـ سورة النساء، جزء من الآية 76.

6 ـ صحيفة الإمام الخميني، ج 10، ص 515

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: