كلمة قائد الثورة الإسلامية المعظم لدى لقائه قادة ومنتسبي القوة الجوية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية

بسم الله الرحمن الرحیم(1)

الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام علی سیدنا ونبینا أبي القاسم المصطفی محمد، وعلی آله الأطیبین الأطهرین المنتجبین، سیما بقیة الله في الأرضین.

قدمتم خير مقدم أيها الإخوة الأعزاء والشباب الأودّاء والأولاد الأحباء جداً لنظام الجمهورية الإسلامية، الذين تخدمون وتعملون في إحدى أشد مواطن اقتدار البلد واقتدار نظام الجمهورية الإسلامية حساسية وأهمية، سائلين الله أن يمنّ عليكم جميعاً بالتوفيق والتسديد واللطف، وأن يكون غدكم أفضل من يومكم بكثير.

كما وأشكر القائد المحترم (قائد القوة الجوية) على ما أدلى به من كلمة رائعة وجامعة، وكذلك هؤلاء الشباب الأعزاء على أنشودتهم التي كانت تنطوي على شعر حسن وأداء جيد جداً. سائلين الله لكم جميعاً التوفيق والتسديد.

إنني أنتهز هذه الفرصة وأطرح عليكم أيها الأعزاء بضعة نقاط.

يعتبر يوم التاسع عشر من بهمن (8 فبراير، يوم بايع فيه عدد من قادة وعناصر القوة الجوية الإمام الخميني عام 1979) يوماً مهماً للبلد ومفخرة كبرى للقوة الجوية التابعة للجيش في الجمهورية الإسلامية، هذا صحيح! ولذلك نبادر نحن وتبادرون أنتم في كل عام إلى تبجيل هذا اليوم وإحياء ذكراه والتحادث بشأنه. ولكن النقطة الهامة هي أن هذا اليوم لا يتلخّص في ذكرى جميلة تبعث على الفخر والاعتزاز، وهو كذلك بالفعل، ولكنه يفوق ذلك حيث زاد من رصيد الثورة ورأسمالها. وهذا هو حال أيام الله برمتها، كما هو يوم الثاني والعشرين من بهمن (يوم انتصار الثورة الإسلامية). فإن أيّاً من أيام الله، ومن هذه الأيام التذكارية؛ الأيام التي تجلى فيها مظهر من مظاهر العظمة والإنسانية والتضحية، إذا ما تكررت وحظيت بالاهتمام في كل عام، أضافت رصيداً على أرصدة الثورة، وأرست دعائم الثورة أكثر، ويوم التاسع عشر من بهمن من هذا النمط.

وأقولها لكم بأن الثورة كائن حي. ولديّ في هذا المضمار حديثٌ سأتناوله بإذن الله، لا في هذا اليوم بل في المستقبل القريب وفي مناسبةٍ إن شاء الله. الثورة كائن حي، وأولئك الذين يزعمون أن الثورة ليست إلا ومضة أضاءت وخفتت، بعيدون كل البعد عن معرفة حقيقة الثورة.. كلا، الثورة حقيقة حية، وكائن حي له ولادة ونموّ وقوام وعمر طويل في حالة، وله مرض وموت وفناء في حالة أخرى.. هكذا هي الثورة، حالها حال أي كائن حيّ آخر. وبما أن الثورة كائن حي، فإن لها تكاثر ونموّ وقوام وتكامل. يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾(2)، يعني مَثَل أصحاب النبي والمجتمع الإسلامي – أي الثوريين – كمَثَل نبتة تخرج من الأرض وتُظهر نفسها، ثم تنمو شيئاً فشيئاً، ويشتدّ عودها بالتدريج، وتعلو وترتفع رويداً رويداً، وتتبدّل تدريجياً إلى كائن مستقر مبارك يبعث على الإعجاب.. لماذا يبعث على الإعجاب؟ لما جاء في تتمة الآية: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾، فإنها تبعث على إعجاب نفس ذلك الذي زرع هذه النبتة في الأرض، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، وتُثير ثائرة العدو أيضاً.. هكذا هي الثورة، حيث يتسنى لها أن تنمو وتتكامل يوماً بعد يوم.

أنتم الشباب الذين تشكّلون غالبية أفراد الجلسة، وتُعدّون من أعزائي وأولادي، أغلبكم لم تُدركوا تلك الأيام؛ الأيام الأولى من الثورة ناهيك عن أيام ما قبل الثورة. فقد كانت مفعمة بالهياج والحماس، بيد أن الثورة في هذا اليوم أشدّ قواماً وثباتاً ممّا كانت عليه في ذلك اليوم. والثوريون الذين عمر الإيمان بالثورة قلوبهم، تجدهم اليوم أشدّ ثباتاً واستقامة ووعياً وبصيرة في انتهاج نهجهم وفي النظر إلى نهاية عملهم وإلى الهدف المتوخى لهم.. هذه هي الأوضاع السائدة اليوم، فقد تقدّمت الثورة وتكاملت. ولطالما قلتُ بأن التغيير والتحول جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان، ولذا فهو جزء لا يتجزأ من الثورة أيضاً، ولكن أيّ تغيير وتحوّل؟ التغيير والتحوّل الذي تبقى فيه الأسس والمباني ثابتة قويمة. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾(3)، الأصل ثابت والجذور متجذرة والأسس الأساسية قويمة، ولكن النتائج والثمار والحواشي تتجدّد في كل يوم، وتتجلى في عالم الحياة وفي بيئة حياة الإنسان والمجتمع، وتُقدّم وتُهدي ثماراً يانعة جديدة.. هذه هي خصوصية الثورة التي كانت ثورتنا قد اتسمت بها.

لو ألقيتم نظرة إلى تأريخ الثورات في العالم – خلال القرون الأخيرة، لا القرون السابقة والغابرة التي لا نملك معلومات كبيرة حولها ولا شأن لنا بها، وإنما القرنان أو الثلاثة الأخيرة التي اندلعت ثورات العالم فيها، كاستقلال أمريكا من البريطانيين على سبيل المثال، أو الثورة الفرنسية الكبرى، أو ثورة الاتحاد السوفيتي في أكتوبر وأمثالها، إلى الثورات الصغيرة في البلدان (الأخرى)، وأنا على اطلاع دقيق بكل هذه الثورات – لوجدتم أنها بأسرها كانت ولاتزال فاقدة للخصائص التي تتسم بها ثورتنا، وهي أن تبقى الأسس ثابتة رصينة وتظهر من هذه الدوحة الباسقة المتجذرة ثمار متجددة وتوضع في متناول الناس والمجتمع. فلقد مضى على الثورة تسعة وثلاثون عاماً وها نحن على أعتاب الدخول في العام الأربعين، وهذه حادثة بالغة الأهمية.. هذا فيما يخص قضية الثورة.

علماً بأن العدو يناهض هذه النقطة ذاتها.. من هو العدو؟ هو المتضرّر من الثورة. فإن أولئك الذين كانت لهم في هذه المنطقة الحساسة جداً حكومة عميلة مطيعة، وكانوا قد أمسكوا بزمام كل شؤونها، سواء سياستها أو اقتصادها أو أرباحها، قد تضرّروا بفقدانها، وعلى رأسهم أمريكا وكذلك بعض الدول الأوروبية الأخرى كبريطانيا وغيرها.. هؤلاء هم الأعداء. والعدو يهدف إلى الحيلولة دون هذا الثبات وهذه الاستقامة، ويبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك، ويوظّف كل وسيلة متاحة له، من أشباه المفكرين – فإن البعض هم أشباه المفكرين، يعرضون ما يسمى بالفكر المناوئ لأسس الثورة ومبادئها، وقد تشاهدون أحياناً مقالاتهم وكتاباتهم في بعض الصحف أو في وسائل الإعلام الإلكترونية وما شابهها، (والأعداء) يوظّفون هؤلاء ويزوّدوهم بالأموال (قائلين لهم): أنتجوا أفكاراً معادية للثورة وركائزها – إلى المنظّرين المزيّفين، حيث يصنعون المنظّر والمخطط المزيّف، إلى الصحفيين وأصحاب الأقلام المأجورة، إلى إمكانيات الفضاء الافتراضي، إلى المضحكين والساخرين، وإلى كل ما يمكنهم وكل من يمكنهم تجنيده بغية أن يوسّعوا دائرة مخاطبيهم.

هذه ممارسات تُمارَس اليوم بأسرها، ولا تختص بالوقت الراهن بل تعود إلى بداية الثورة، فهي أمور قد مورست برمتها منذ ما قبل تسعة وثلاثين عاماً، ولكنها أخذت تزداد شدة يوماً بعد آخر، فإن هنالك اليوم أدوات لم يكن لها وجود في تلك الأيام، وهاهم يجنّدون كل هذه الأدوات. ولقد سمعتم ما حدث، في الفتنة التي اندلعت عام 2009، لإحدى الشبكات الإلكترونية الفاعلة التي كان من المقرر أن يتم تصليحها السنوي، حيث قالوا لها: «كفّي عن ذلك وأجّلي التصليح لتقدّمي لنا الخدمات»، أي من أجل ألّا تتوقف خدماتها لوكالة الاستخبارات الأمريكية وللأجهزة السياسية في أمريكا؛ ذلك أنهم يوظّفون كل هذه الوسائل والأدوات.

إنهم يبذلون كل هذه الجهود والمساعي، وفجأة يأتي يوم الثاني والعشرين من بهمن! وهم بالتالي قد حسبوا للمخاطبين حساباً.. يأتي يوم الثاني والعشرين من بهمن، وترون الحشود الجماهيرية تنطلق في طهران وفي المدن وفي كل أرجاء البلد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، في وسط الشتاء القارص وتحت هطول الأمطار والثلوج، وتهتف شعاراً واحداً. أو خذوا على سبيل الفرض يوم التاسع من دي (30 ديسمبر) في عام 2009 أو في هذا العام. ولقد شاهدتم كيف نزل الناس إلى الشوارع في التاسع من دي لهذا العام بكل هياج وحماس! لأنهم شعروا بحضور العدو. وهذه هي خصوصية الكائن الحي! فإنه حين يستشعر وجود العدو يزيد من حساسيته وفعاليته. وفي التاسع من دي نزل الناس إلى الساحة في جميع أرجاء البلد، ثم توالى حضورهم من الثالث عشر وإلى الثامن عشر من دي بصورة طوعية في مختلف المدن لمدة أربعة إلى خمسة أيام متتالية، وقد قدّمتُ تقريراً مقتضباً عن هذا الحضور لأولئك الأعزاء الذين جاؤوا إلى هذه الحسينية في التاسع عشر من دي (4). وهذا هو مفهوم (الكائن) الحيّ النامي! (فالعدو يبذل) كل هذه الجهود والمساعي، لا في الفضاء الافتراضي وما شاكله وحسب، بل يفرض الحظر مثلاً، والحظر بالتالي يترك أثره في حياة الناس، ويخلق المشاكل الاقتصادية وقد خلقها، والناس بأجمعهم يعانون من هذه المشاكل، بيد أن عشق الثورة ومحبة الثورة والتعلق بالثورة وبالنظام الإسلامي يولّد ردود فعلٍ كهذه.

إذن فعلينا أن نعتبر أيام الله هذه مدعاة للقِوام. وأقولها لكم بحول الله وقوته ولطفه إن (مسيرات) الثاني والعشرين من بهمن في هذا العام ستبهر العيون. فقد شعر الشعب، مما أطلقه بعض الساسة الأمريكيين من ترّهات، أن العدوّ واقف له بالمرصاد ومتأهّب للهجوم – لا الهجوم العسكري بالضرورة وإنما هو بصدد العِداء – وحين يستشعر ذلك يخوض الميدان. ومن هنا سيكون حضور الناس في هذا العام أكثر حرارة وحماساً مما مضى وسينزل الجميع إلى الساحة بإذن الله وتوفيقه وحوله وقوته.. هذه نقطة.

والنقطة الأخرى تحوم حول القضايا الأصولية والمبدئية لنظام الجمهورية الإسلامية. وسبق أن ذكرتُ بأن لي حديثٌ في هذا المضمار، سأتطرق له لاحقاً في المستقبل القريب إن شاء الله، واليوم أتناوله بإيجاز (وأقول:) لقد رسم النظام المنبثق من الثورة الإسلامية لنفسه سياسات أصولية. حيث اقترحت الثورة الإسلامية نظاماً سياسياً واجتماعياً وحقّقته وطبّقته، فتبلورت أسسٌ لهذا النظام القائم على أساس الثورة. كالاستقلال الاقتصادي والثقافي والسياسي والأمني التي لم يكن لأي واحد منها وجود قبل انتصار الثورة. وقد حققنا في ذلك تقدماً كبيراً، ومازالت هنالك بالطبع حاجة للعمل في بعض المجالات.

الاستقلال، والحرية، وتقدّم البلد؛ ذلك أن واحدة من أصول الثورة الإساسية هي تقدم البلد في شتى المجالات. فلابد أن يتطور البلد في مجال العلم وفي مجال التقنية وفي مجال الأخلاق وفي المجالات المادية والمعنوية وفي مجالات مختلفة. ولقد حققنا تقدماً جيّداً في هذه المجالات. علماً بأن هنالك مسافة فيما بيننا وبين ما نبغيه وما ينبغي، ولابد لنا من طيّ هذه المسافة.

العدل، والعدالة الاجتماعية، وإزالة الفوارق الطبقية الكبرى بين شرائح الناس المختلفة. ونحن بالطبع متقاعسون ومتأخرون في هذا المجال، ولم يتم العمل الذي لابد من إنجازه في هذا المضمار بما يجدر وما ينبغي، ولابد لنا من متابعة هذه القضية بجدّ، واعلموا أننا نتابعها ولا نتخلى عنها بتوفيق الله، وهي تمثل إحدى الدعائم الرئيسية لنظام الجمهورية الإسلامية، والسبيل إلى ذلك بالطبع يكمن في مكافحة الظلم والفساد.

إن للعدالة مفهومها الواسع والكبير جداً، سواء على صعيد المجتمع أو على الصعيد الدولي، وسواء في البعد الاقتصادي أو البعد السياسي، فللعدالة في كافة هذه الأبعاد مقولة كبيرة الأهمية. وعلى خلاف القيم الأخرى التي تعدّ بمعنى من المعاني نسبية بأسرها فإن للعدالة قيمة مطلقة. وعلى أي حال فهي ضرورية ويجب متابعتها، ولابد من مكافحة الفساد ومقارعة الظلم، وهي بالطبع صعبة جداً. وسبق أن ذكرتُ قبل عدة أعوام بأنّ مَثَل الفساد كمَثَل التنّين الذي له سبعة رؤوس كما في الأساطير، فإن قطعت رأساً من رؤوسه سيتحرك بستة رؤوس أخرى، وليس من الهيّن القضاء عليه.. هكذا هو الفساد، ومن هنا فالتصدي لأولئك الذين ينتفعون من الفساد في داخل المجتمع ومغالبتهم أمر عسير للغاية وعمل صعبٌ حقاً، ولكنه من الأمور الصعبة التي يجب إنجازها بكل تأكيد. فلقد أمضى أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)، وهو إمامنا ومقتدانا، فترة حكومته كلها بالتصدي لهذه القضية والمقولة الهامة تقريباً، ولم ينتهِ الأمر بالطبع. علماً بأنه لو تغلغل الظلم والفساد لا قدّر الله إلى رجال الحكومة، فلابد أن يتم التصدي لهم بصورة أكثر جدية وبمزيد من الشدة في العمل. وعلى القطاعات المختلفة كافة وعلى المدراء في البلد قاطبة وعلينا جميعاً في كل أرجاء البلاد أن نلتفت إلى هذه القضية وألّا نصفح عن الظلم.

والحال ذاته يجري على الصعيد الدولي أيضاً، فلابد من إبانة ظلم الاستكبار. واليوم تعتبر الإدارة الأمريكية أشد حكومات العالم ظلماً وجوراً وقساوة، حتى أنها أسوء من داعش التي لاحظتم مدى سوئها وظلمها ووحشيتها. فإن الإدارة الأمريكية هي ذلك الجهاز الذي أسس أمثال داعش – لا داعش وحسب – وسهّل لهم الأمور، بل كان هو المسبّب، وهذا ليس ادّعاؤنا بل كلامهم أنفسهم. فإن نفس هذا الرئيس الأمريكي الحالي، قد طرح مراراً وتكراراً في دعاياته الانتخابية أن إيجاد داعش هو من صنيع الديمقراطيين – الحزب المقابل له – وهو صادق فيما يقول. وتوجد وثيقة على هذه القضية. فإنهم هم الذين أسسوا داعش وهم الذين عزّزوه وهم الذين دعموه تسليحياً ومالياً وما إلى ذلك، ومن المحتمل أن يكونوا هم الذين درّبوه على بعض الأساليب. فإن تلك الجماعات الوحشية الأمريكية التابعة للحكومة – نظير بلاك ووتر وما شاكلها – تمارس نفس هذه الممارسات بالتالي وتجيدها وهي ضلوغة بممارسة هذه الأعمال الوحشية تجاه الناس، ولعلها هي التي درّبت الداعشيين على ذلك. وإلّا فذلك التعيس الوافد من القفقاز أنّى له أن يعرف مثلاً كيف يعذّب إنساناً وكيف يُغرقة أو يُحرقه بالتعذيب تدريجياً؟ ولذا يُحتمل أن يكونوا هم الذين درّبوه على ذلك.

على الرغم من أن أمريكا تعتبر أشد حكومات العالم عنفاً وقساوة، تدّعي في الإعلام أنها تدافع عن حقوق الإنسان وعن المظلومين وعن حقوق الحيوان! فلابد من فضحهم، ومن بيان هذه المسائل، ومن طرحها على الصعيد العالمي. كالظلم الذي يرتكبوه بحق فلسطين! حيث يتعرّض الفلسطينيون يومياً للظلم والجور، لمدة عام، عامين، عشرة أعوام، عشرين عاماً.. سبعون عاماً والظلم هذا مازال مستمرّاً والأمريكيون كانوا ومازالوا يقفون خلفه، وهذا ما يجب الإفصاح به. والظلم الذي يُمارس بحق اليمانيين! حيث تُقصف الآن اليمن يومياً، ويُقصف الناس، وتُقصف المجالس والتجمّعات، وتُقصف الأسواق، وتُقصف البنى التحتيّة، على يد من؟ على يد حلفاء أمريكا المدعومين من قبل الأمريكيين، حيث يزوّدوهم بالسلاح، ويساعدوهم أيضاً، وهم يشاهدون ذلك بكل وضوح دون إبداء أدنى انزجار وأدنى اعتراض. علماً بأن هنالك أشخاصٌ في أوساطهم كبعض الكُتّاب الذين يعبّرون عن احتجاجهم، غير أن الإدارة الأمريكية لا تعير لهم أية أهمية. وإذا بها (5) وبكل وقاحة تدعي عبر استعراض قراضة حديد أن هذا صاروخ أرسلته إيران إلى المجاهدين اليمانيين! دون أي دليل. بيد أن المجاهدين والمناضلين اليمانيين قد ضُرب عليهم الحصار ولا يمكن إرسال شيء إليهم، ولو كان ذلك متاحاً لأرسلنا إليهم مئة صاروخ بدل صاروخ واحد! ولكن لا يمكن ذلك، فإهم مظلومون، «کُن للظالم خصماً وللمظلوم عوناً»(6)، عليك بإغاثة المظلوم إن كنت قادراً على ذلك.

نحن صامدون.. فيما يخص المقاومة، كان الأمريكيون قد عزموا على اقتلاع جذور المقاومة في منطقة غرب آسيا، وكانوا على ثقة بأنهم سيحققون هذا الأمر، ولكننا وقفنا وقلنا لا نسمح بذلك. ولقد ثبت اليوم للعالم أجمع أن أمريكا أرادت ولم تستطع ونحن أردنا واستطعنا.. هذا ما أدركه الجميع في العالم. فلابد من الوقوف في وجه الظلم. هذا فيما يخص الظلم الخارجي، والكلام ذاته يجري في الظلم الداخلي أيضاً، ولعله يتسم بالأولوية من جهات عدة.

والنقطة الأخرى التي نتناولها هي قضية الناس. فإن واحدة من أكبر مزايا نظام الجمهورية الإسلامية هي شعبية هذا النظام وشعبية هذه الثورة ودينيتها. فقد كانت الثورة الإسلامية دينية لها صلتها بعقائد الناس، والنظام الذي تأسس أيضاً كان نظاماً دينياً وشعبياً. ولقد خاض الناس الساحة لإيمانهم بالإسلام. ولهذا ترون أن أولادهم وأعزاءهم انطلقوا لساحات الجهاد وجاهدوا وحاربوا وقُتلوا، واحترقت قلوب آبائهم وأمهاتهم، ولكنهم صبروا وشكروا دون شكوى، لأنه كان في سبيل الله وفي طريق الإمام الحسين.. هذه واحدة من الخصائص، فالثورة ثورة شعبية، ولابد أن يحتلّ الناس الأولوية في جميع البرامج.

يتردّد على الألسن اسم الناس ويصل إلى المسامع مراراً وتكراراً. ومن المطلوب جداً أن يستند المسؤولون في البلد إلى الناس ويذكرون اسمهم ويتكئون على هذا العنوان، ولكن عليهم أن يعرفوا الناس، بل علينا جميعاً أن نعرف الناس. ففي فترة الطاغوت – التي لا تتذكرونها، ونحن قد أمضينا كل فترة شبابنا ونشاطنا وجهدنا في هذه الحقبة – كان هنالك نمط وزمرة من المتنورين الذين كانت تربطنا آنذاك صلة بالكثير منهم، وكانوا في كل مناسبة يذكرون اسم الناس، ومهما يجري حديث يقولون: الناس وللناس ودفاعاً عن الناس وما شابه ذلك. والحال أنهم مخطئون، ولا يمكن القول أنهم جميعاً كانوا يكذبون، ولكن الأمر قد التبس عليهم؛ لا هم يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم، لا هم يفهمون قول الناس، ولا الناس تفهم قولهم. وكم كانوا يكتبون المقالات التنويرية في المجلات والصحف، وكان النظام الطاغوتي بدوره على علم بأن الناس لا تتأثر بهذه الأقوال، لأنهم أساساً لا يفهمون أقوالهم التي لم تكن سوى صياغة كلمات، ولذلك لم يكن يتشدّد كثيراً. ففي مشهد كنتُ أرى الكتب الشيوعية الصريحة تُوزَّع في المكتبات بسهولة، بينما يواجه كتاباً إسلامياً يتناول القضية الإسلامية الفلانية كالقضية الفلسطينية وما شابهها أنواع الضغوط للحيلولة دونه. والسبب يعود إلى أن المقالة التي كانوا يكتبونها والكلمة التي كانوا يطلقونها، لم تكن بالأمر الذي يصدّق الناس به، لأنهم ما كانوا يعرفون الناس، والناس أيضاً ما كانت تعرفهم. بيد أن الإمام (الخميني) حين خاض ساحة الجهاد في سنة 1962، كان يعرف الناس، والناس بدورها فهمت قول الإمام وأدركته وتابعته، حتى انبثقت الثورة. إذن لابد من معرفة الناس.

من هم الناس؟ الناس هم أولئك الذين يسطّرون ملحمة الثاني والعشرين من بهمن.. هؤلاء هم الناس. ولو أردتم أن تفهموا قول الناس فاسمعوا وانظروا ماذا يقولون؟ الناس هم أولئك الذين ما إن شاهدوا نزول عدد من المشاغبين إلى الساحة واستمعوا إلى شعاراتهم وقفوا جانباً حتى وإن كان لديهم اعتراض، ثم نزلوا في يوم التاسع من دي إلى الميدان وأطلقوا شعاراتهم.. هؤلاء هم الناس، فلا يُخطئنّ البعض في معرفتهم، وليعرفوهم بشعاراتهم وكلماتهم، وليعملوا لهم مخلصين لله ولوجهه الكريم، ولا تنافي بين العمل للناس والعمل لله. ولا يعني قولنا فليعملوا للناس ألّا يعملوا لله.. كلا، فإن الله هو الذي أمرنا أن نعمل للناس، وهو الذي طالبنا نحن المسؤولين بأن نكون في خدمة الناس وأن نكون خُدّاماً لهم وأن نعمل من أجلهم. فلابد من الاستماع إلى قول الناس، وقول الناس شكواهم من الفساد وشكواهم من التمييز.. هذا هو قول الناس. فإن الناس يتحمّلون الكثير من المشاكل، ولكنهم بالطبع لا يحبّون الفساد والتمييز، ولهم شكواهم منها، وعلى المسؤولين في السلطة التنفيذية وفي السلطة القضائية وفي السلطة التشريعية أن يتابعوا هذه القضية بجدّ.

وأما القوات المسلحة، وهذا هو قولي الأخير: يجب على القوات المسلحة أن تزيد من بناء ذاتها يوماً بعد آخر. بناء أي شيء؟ بناء شخصياتهم وأشخاصهم. فليعملوا على بناء ذاتهم وصناعة أنفسهم كإنسان وعسكري يرقى إلى النمط الإسلامي. فالعسكري الإسلامي يتسم بالإيمان والشجاعة والتضحية والتدبير ويقف أمام العدو بكل قوة واقتدار، في حين لا يرى لنفسه أمام الصديق أي تعيّن وتكبّر.. هذه هي خصائص العسكري الإسلامي، ومثاله مالك الأشتر الذي يقف أمام العدوّ بتلك الطريقة، ويقف أمام شابٍّ عديم الأدب في الكوفة – والقصة معروفة – بهذه الطريقة، حيث أساء الشابّ إلى مالك الأشتر دون أن يعرفه، وبعد أن عرفه ارتبك، ومضى إليه مسرعاً، فرآه قد دخل مسجداً وهو يصلي، ثم اعتذر إليه، فقال له: ما دخلت المسجد إلا لأدعو لك. هذا هو القائد العسكري، فإن نفس مالك الأشتر بإنجازاته الكبرى في معركة صفين، يقف أمام شابٍّ عديم الأدب ويتعامل معه بهذه الطريقة! هذا هو بناء الذات.

وبناء المعدّات والتجهيزات. نعم، صحيح ما قاله القائد المحترم وهو أنّ القوة الجوية تمثل أول قطاع في الجيش بادر إلى صناعة التجهيزات وجهاد الاكتفاء الذاتي، وكانت جيّدة جداً ونشيطة في ذلك. فقد أنجزت القوة الجوية الكثير من الإنجازات وقصصها غزيرة جداً، وهذه إحداها. فإنكم أنتم من شرع بالبناء، وشرع به من بينكم أناس من ذوي الهمم كانوا يومذاك واليوم أيضاً لهم وجودهم والحمد لله. فإنكم موجودون وبمقدوركم النهوض بهذه المهمة. فاعملوا على تحديث التجهيزات وتصنيعها أيضاً، وأنتم قادرون على ذلك، لأنكم أنتم الشباب تتسمون بمواهب جيدة جداً.

سبق وأن ذكرتُ حول إحدى البلدان بأن الشيء الوحيد الذي تملكه هو المال، ولا تملك ما سواه؛ لا دين ولا أخلاق ولا عقل ولا كفاءة ولا مهارة إلا المال.. هكذا هم البعض. وأنتم قد لا تتوافر بحيازتكم أموال كثيرة، ولكنكم تملكون ما سواها كل شيء؛ تملكون الموهبة والقوة الفكرية والقدرة على الإبداع والقدرة على البناء.. إنكم قادرون فبادروا إلى البناء، سواء بناء الذات وهو مقدّم على كل شيء، أو بناء التجهيزات، أو بناء المنظمة، فاعملوا على نماء منظمتكم ما استطعتم. واعلموا أن النصر حليفكم إن شاء الله. ففي جميع القضايا التي وقعت على مدى هذه الأعوام نجد القوى الثورية هي التي حققت النصر بتوفيق الله، ورغم أنف العدوّ سيكون النصر في المستقبل لكم وللشعب الإيراني المقاوم.

والسلام علیکم ورحمة الله برکاته

الهوامش:

1- في بداية اللقاء تحدّث الأمير العميد حسين شاه صفي القائد العام للقوة الجوية التابعة للجيش.

2- سورة الفتح، جزء من الآية 29.

3- سورة إبراهيم، الآية 24.

4- لقاء أهالي مدينة قم المقدسة ( 2018/01/09).

5- نيكي هيلي، مندوبة أميركا لدى الأمم المتحدة.

6- نهج البلاغة، الكتاب رقم 47 بتصرف.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: