السید السیستانی وهموم المرجعیة

السید السیستانی وهموم المرجعیة

شفقنا – كانت الصورة الملونة التي جمعت سبعة وجوه لسبعة علماء، لُفّت على رؤوسهم عمائم سود، باستثناء واحد منهم عمّته بيضاء، هي التي تصدرت غلاف مجلة “الوسط” اللندنية، أمّا العنوان فهو: “المرجعية الشيعية: صراع بين قُمّ والنجف… وتلامذة الخوئي”…

كان ذلك منتصف صيف عام 1993 م موعد حلول الذكرى السنوية الأولى لوفاة المرجع الشيعي الأعلى أبو القاسم الخوئي، فيما أمرُ خلافته لم يُحسم نهائياً على الرغم من شبه الإجماع على مرجعية السيد محمد رضا الكلبايكاني، وآخرين غيره، ومردّ هذا الوضع الى عدة عوامل أبرزها إعتلال صحة السيد الكلبايكاني البالغ من العمر ستة وتسعين عاماً، وثانيها التنافس بين تلامذة الخوئي، وهم كثر، وثالثها التطورات السياسية في كلّ من إيران والعراق، حيث ان لكل من هذين البلدين التأثير الفاعل في أمر المرجعية، هذا فضلاً عن التأثير النسبي الآخر لكل من لبنان وأفغانستان وباكستان…

إلتفتّ الى صاحبي الذي كان بجانبي، قلت له: أنظر وتأمل في ستةِ الوجوه هذه، لأن السابع منها، وكان أكبرها حجماً، هو وجه زعيم الحوزة الدينية، ومرجع الأمة الراحل السيد أبو القاسم الخوئي، ثم اختر للمرجعية واحداً منها ترتاح إليه نفسك، وأنا بدوري أختار واحداً ترتاح إليه النفس، فكان أن اختار صاحبي الوجه الذي اخترتُ، وارتاح الى الوجه الذي انا اليه ارتحت، وجه ما عرفنا اسم صاحبه إلاّ من بعد توفرنا على صفحات المقالة التي هي طيّ المجلة، ودلّ عليها عنوان الغلاف، وإن تعجب فاعجب لهذا الاتفاق في الرأي، ماذا؟ أهو الحدس، أم هي الفراسة، أم هو شيء غير ذلك، لست أدري، وإن هي إلاّ شهور معدودات وإذا بصاحب هذا الوجه الذي ارتاحت النفس إليه، هو نفسه من ألقت المرجعية الدينية بزمامها إليه، ليكون صاحبها، وحامل همومها الذي لا يُشق له غبار…

استمر الجدل قائماً سنة كاملة، أو ما يزيد، حول من يكون المرجع الأعلى للطائفة الشيعية إثر وفاة السيد الخوئي المنتقل الى جوار ربّه في النجف الأشرف صيف عام 1992م، ما جعل الأنظار تتجه الى العديد من الأسماء في كل من إيران والعراق، أما في إيران فطُرحت بقوة مرجعية السيد جمال الدين محمد رضا الكلبايكاني المقيم في مدينة قمّ المقدسة، بتأييد من حكومة الوليّ الفقيه، وأما في العراق فطُرحت مرجعية السيد عبد الأعلى السبزواري، لكن سرعان ما اخترمت المنية ذينك المرجعين، فاتجهت الأنظار الى تلميذ نابه من تلاميذ السيد الخوئي، وتلاميذ الخوئي كثر في العالم يقارب عددهم ستمائة مجتهد كلّ منهم يقول علمني الخوئي، وتتلمذت على يد الخوئي…

اتجهت الأنظار وبلطف إلهي، وتسديد غيبي الى هذا التلميذ امتداداً طبيعياً لمرجعيتين لامعتين سابقتين، أولاهما مرجعية السيد محسن الحكيم، والثانية مرجعية السيد الخوئي، فمن هو هذا التلميذ الذي ما خاب حدسي ولا حدس صاحبي فيه، فوقع عليه الإختيار، وما كان إلاّ محط الأنظار، ومن عليه المدار، وإليه تُشدّ الرحال من سائر الأقطار؟ إنه، وباختصار آية الله السيد علي الحسيني السيستاني، لكن قبل تفصيل التعريف به، لا بد من الإشارة الى نقطتين اثنتين هامتين هما: تعدد المرجعية والتنافس أو التناغم بين قم والنجف..

تعدد المرجعية

لأن المرجعية الدينية، وبحسب العرف الشائع في الموروث الشيعي، منصب ديني لا ينحصر في شخص يعيّن بمرسوم تتخذه السلطة الحاكمة، سواء أكانت هذه السلطة عادلة أم جائرة، بل هو منصب قياديّ يتولاه المجتهد الذي تتوافر فيه شروط التقليد، ومن أهمها حيازته الفضل والورع والتقوى والعدالة والأعلمية في العلوم المختصة بالشريعة، يدل عليها رسالته العلمية المتضمنة لآرائه الفقهية التي يُرجع إليها من قبل مقلّديه في العبادات والمعاملات…

ولأن المرجعية بهذه الصفات المختلف في تقديرها تباعاً لاختلاف مستويات الفهم لدى عامة الناس، بل تباعاً لاختلاف مشارب وآراء العلماء أنفسهم ممّن هم أجدر بتوصيف مثل تلك المؤهلات أو الصفات الواجب توافرها في المجتهد…

ولأن للدعاية، أحياناً، وللعصبية السياسية أو القومية التأثير الفاعل في الترويج لهذا المرجع أو ذاك,,, فلا غرو إذاً من تعدد المرجعية بتعدد المراجع، ومن أن تجد أكثر من مرجع واحد في الزمن الواحد، كان هذا فيما غبر من التاريخ، ونجد ما يماثله في تاريخنا المعاصر، وليس أدلّ على ذلك، في الثلث الأخبر من القرن الفائت من معاصرة مرجعية زعيم الحوزة الدينية في النجف السيد الخوئي (ت1992م) لمرجعية كلّ من السيد الحكيم (ت1970م) في العراق، والسيد محمد هادي الميلاني (ت1975م)، والسيد كاظم شريعت مداري (ت1984م)، والسيد أحمد الخنساري (ت1986م)، والسيد روح الله الخميني (ت1989م)، والسيد مرعشي النجفي (ت1990م) في إيران…

نعم، قد تتعدد المرجعية، قيكون هناك أكثر من مرجع واحد، في الزمن الواحد، لكن المرجعية العليا، وهذا مصطلح وضع حديثاً، وإن شئت فقل المرجعية التي هي بمثابة الزعامة الدينية الفعلية التي تشخص اليها الأبصار، والتي تستقطب أكبر عدد من المقلدين المنتشرين في أكثر من بلد أو ناحية، لقلّما أسلمت قياديها، في تاريخنا المعاصر، إلاّ للقلّة من المراجع من أمثال كلّ من السيد الحكيم، فالسيد الخوئي، في العراق، والسيد الخميني، ومن بعده السيد الخامنئي، في إيران…

التنافس أو التناغم بين قمّ والنجف

لكأن الإقامة المتقادمة في حوزة النجف التي تعتبر شرطاً من الشروط الضمنية التي يصعب من دونها بلوغ درجة المرجع الأعلى للطائفة، وهذا هو الحال منذ تأسيس جامعة النجف في القرن الخامس الهجري على يد الشيخ الطوسي (ت460هـ)، حتى أنه بات يقال إن المرجع نجفيّ إمّا بالدراسة، وإمّا بالإقامة، والثانية أكثر ثباتاً(2)…

مثل هذه المقولة التي ألقت بظلالها على الساحة الشيعية طوال قرون عديدة لم تصحّ البتة إثر انتقال الخوئي زعيم الحوزة الدينية، وأحد كبار مراجع الشيعة الإمامية في العالم، إلى رحمة ربه في آب من سنة 1992م، إذ انتقلت هذه المرة بقوة الى السيد محمد رضا الكلبايكاني المقيم في قمّ، لا في النجف، مدعوماً من قبل حكومة الولي الفقيه انطلاقاً من تأييد السيد ومباركته العلنية للثورة الإسلامية، وإن كان أحجم، حسبما قيل في حينه، عن قبول عرض قدّم إليه بعد وفاة السيد الخميني ليكون هو القائد والمرشد في آن للثورة ولحكومة الوليّ الفقيه(3)…

هذا، في إيران، أمّا في العراق، النجف تحديداً، حيث ان النجف وجنوب العراق قاطبة كان وما يزال يعاني من شدة وطأة فشل انتفاضة شعبان المباركة في آذار سنة 1991م، وحيث أن محاولات الطاغية ببغداد لفرض المرجعية التي يريد، باءت بالفشل، ولو تمّ ذلك، لا سمح الله، لأغلقت الحوزة طوعياً، وانتهى دور النجف في العالم الشيعي في العراق، وهكذا، اتجهت الأنظار، وبصورة تلقائية، الى مرجعيتين اثنتين ممثلتين بكلّ من السيد عبد الأعلى السبزواري، والسيد علي الحسيني السيستاني، وكان حظ الأخير هو الأوفر، إذ وقبل الانتهاء من مراسم تشييع ودفن السيد الكلبايكاني بقمّ، سارع الى إعلان التأييد لمرجعية السيستاني علماء عُرفوا بتأييدهم للثورة الإسلامية في إيران، يأتي في طليعتهم اثنان كانا يقيمان بقمّ هما السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة في العراق، والشيخ محمد مهدي آصفي أحد كبار المنظّرين لحزب الدعوة العراقي، وثالث كان وما يزال يقيم في بيروت هو السيد محمد حسين فضل الله، والثلاثة تجمعهم رؤية شبه واحدة الى الأمور تتمثل بولائهم للثورة الإسلامية الإيرانية، إضافة إلى كونهم وكلاء عن المرجع الديني الراحل السيد أبو القاسم الخوئي، ورابع مقيم ايضاً في بيروت، هو الشيخ محمد مهدي شمس الدين، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي لم يُخف تأييده للسيد السيستاني ولمرجع آخر مقيم في قم، وذلك انسجاماً مع موقف مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية بلندن، وهو السيد محمد الروحاني، هذا ما اتضح في حينه من خلال الرسالة التي بعث بها شمس الدين إلى كل من السيد الروحاني، والسيد السيستاني معزياً بوفاة الكلبايكاني. بالعودة الى إيران، فإن القيادة ممثلة بمرشد الثورة السيد علي الخامنئي، ومعه رابطة مدرسي الحوزة العلمية في قم، لم تنتظر طويلاً قبل إعلان تأييدها لمرجعية الشيخ محمد الأراكي، كمقدمة لمرجعية الخامنئي، واسم الأراكي كان طُرح من قبل، كرديف للسيد الكلبايكاني، لكن القدر كان بالمرصاد إذ سرعان ما لحق الأراكي بسلفه الكلبايكاني، ما فتح الباب واسعاً أمام التمكين لمرجعية قائد الثورة السيد علي الخامنئي، وتالياً امام صراع خفيّ حيناً، ظاهر حيناً آخر، قطباه اثنان، الأول يتمثل بالمنادين بأن تكون قم هي مركز القرار، وحاضرة المرجعية، مستفيدين من تدهور الأوضاع السياسية والإجتماعية في العراق، والثاني يتمثل بالمنادين بأن تظل النجف حاضرة العلم والثقافة، وحاضنة المرجعية أيّاً تكن الأوضاع السائدة في العراق.. هذا، مع الإشارة إلى أن التنافس، وقل التناغم، على الإحتفاظ بالمرجعية العليا في قم أو النجف لم يكن بدعاً في حال من الأحوال، لعل بداية تجلياته المتأخرة شهدتها المرحلة التي تأسست فيها الحوزة العلمية في قم، وكان من أبرز أعلامها السيد الكلبايكاني، ومن قبل، أستاذه آية الله عبد الكريم الحائري اليزدي (ت1355هـ)(4).

السيستاني زعيماً للحوزة الدينية

وبعيداً عن الخوض في الجدل القائم بين مؤيدي وأنصار مدرستي التقليد القديمة أو الحديثة، الأولى تميل الى فصل الفقه والأصول عن شؤون السياسة بانتظار ظهور الحجة القائم (عج)، ولا يعني هذا أبداً السكوت عن الظلم، ولا تعطيل الجهاد محاماة عن الدين، ولا تعطيل قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثانية تدعو الى دمج السياسة بالدين، والى التوسع في ولاية الفقيه لتكون ولاية عامة لا خاصة..

وبعيداً عما طرحه الإمام الخميني في مبانيه الفقهية لجهة الإعلان عن حكومة الولي الفقيه، ولجهة وجوب الجمع بين المرجعيتين الدينية والسياسية في المجتهد الجامع لشرائط التقليد، وإن كان سمح الى حين بالفصل المؤقت بينهما ريثما تمتد وتتجذر مرجعية السيد الخامنئي التي تم الإعلان عنها لاحقاً فيما بعد وفاة الأراكي(5).

وبالعودة الى شغور مرجعية النجف إثر وفاة السيد عبد الأعلى السبزواري الذي خلف السيد الخوئي، وكما بينّا من قبلُ، فإن الأنظار اتجهت الى واحد من أقطاب مدرسة التقليد القديمة ممن لا يقولون بولاية الفقيه المطلقة هو السيد علي الحسيني السيستاني، اتجهت اليه الأنظار بتأييد شعبيّ داخليّ، وآخر خارجيّ عبّر عنه وكلاء السيد الخوئي، والمشرفون على مؤسساته الخيرية والثقافية المنتشرة في العديد من البلدان، كممثلين لمقلّدي السيد الخوئي، وهم كثر، كما عبّر عنه التيار الشيعي المحافظ ممثلاً بجماعة الخوجة الاثني عشرية التي يرأسها الملاّ أصغر محمد علي جعفر، ولها نشاطات في الهند وباكستان وأفريقيا وبعض دول الخليج، وغيرها من البلدان.

هذا، على الصعيد الشعبي، أمّا على الصعيد العلمائي، فإن ثمة قائمة طويلة من العلماء سرعان ما تنادى أصحابها الى القول بمرجعية السيستاني، وإن منهم كلاًّ من آيات الله: السيد علي بهشتي، الشيخ مرتضى البروجردي، السيد رضى الشيرازي، السيد محمد مهدي خلخالي، الشيخ العبائي، الشيخ ميرزا أبو الحسن الشيرازي، الشيخ مصطفى أشرفي، الشيخ محمد هادي معرفة، وفي لبنان كلاًّ من آية الله السيد محمد حسين فضل الله، وآية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين…

وإن من حجج الإسلام كلاًّ من السيد رضى المرعشي، الشيخ جعفر نائيني، الشيخ هادي القرشي، الشيخ فخر الدين الزنجاني، الشيخ محمد حسن آل ياسين، الشيخ مهدي مرواريد، السيد جلال فقيه إيماني، الشيخ هادي آل راضي، الشيخ باقر الأيرواني، السيد هاشم الهاشمي، السيد عباس الكاشاني، الشيخ محمد مهدي آصفي، السيد عبد الله الغريفي، السيد محمد باقر الحكيم، السيد فاضل الميلاني، الشيخ فاضل السهلاني، السيد مرتضى الكشميري، وفي لبنان كلاًّ من الشيخ عبد الحسين صادق، والشيخ مفيد الفقيه(6).

وبصرف النظر عن مدى جديّة هذا التأييد ومصداقيته أو المبالغة فيه، فإن ثمّة حقيقة باتت واضحة للعيان، هي أن المرجعية العليا، وإن شئت فقل إن الزعامة الدينية، لا السياسية، في العراق وخارجه، والمواكبة لمثيلاتها من الزعامات الدينية، أو الدينية السياسية الأخرى، والتي لا يلغي بعضها بعضاً في حال من الأحوال، ومن أبرزها اليوم المتمثلة بآية الله السيد خامنئي في إيران، ألقت بمقاليدها بين يدي هذا الزاهد القابع في بيت متواضع جداً من بيوت النجف الأشرف قد لا تتعدى مساحته بضع العشرات من الأمتار المربعة، لتبدأ معه، أو قل ليبدأ هو معها رحلة الإضطلاع بحمل هموم المرجعية، وما أمداها من هموم قد لا يقوى عليها سوى القلّة ممّن يجود بهم الزمان… والسؤال المطروح بإلحاح هو لماذا السيستاني ومن هو؟ وما المؤهلات التي جعلت منه زعيماً للحوزة الدينية؟ وما هي الأعباء أو المسؤوليات التي يضطلع بها حالياً مترجمةً مشاريع ومنجزات ومؤسسات…

سيرة حياته

في مشهد

إنه السيد علي بن محمد باقر بن علي الحسيني النجفي، نسبةً الى إقامته الدائمة بالنجف، السيستاني، نسبة الى سيستان، إحدى مقاطعات جنوب شرق إيران…

في التاسع من شهر ربيع الآخر سنة 1349 هـ، توافقها سنة 1930 م، وفي المدينة التي احتضنت ثامن أئمة أهل البيت، عليهم السلام، عنيت مشهد، ولد ونشأ وترعرع علي الحسيني السيستاني، وفي مدارسها على أيدي نخبة من رجال العلم، تلقى بعض مقدمات العلوم الدينية والفقهية واللغوية والأدبية والفلسفية، وإن من هؤلاء الأساتذة كلاًّ من السيد والده محمد باقر، والشيخ هاشم مهدي الأصفهاني، ومحبتي القزويني، والآيسي، درس عليهم الفلسفة والحكمة، والنيشابوري، درس عليه الأدب، والميرزا مهدي الاشتياني، درس عليه بعض بحوث الخارج(7).

في قُـم

سنة 1368 هـ، تاقت نفس السيد علي، وهو في مشهد إلى بلوغ أعلى درجات العلم، فشدّ الرحال الى مدينة قم القريبة من طهران حيث مرقد المعصومة، وفيها أكبر حوزة دينية بعد حوزة النجف، فحصل في سنوات لا تتجاوز الثلاث على المزيد من العلوم الفقهية تحت رعاية كلّ من السيد حسين الطباطبائي البروجردي، والسيد الحجة الكوهكمري(8)، لكن الحنين الى النجف، ومن ذا الذي لا يحنّ الى النجف، ظلّ هاجسه الماثل، وشغله الشاغل…

في النجف

سنة 1371 هـ، هبط السيد على رحاب أعرق حوزة دينية في العالم الإسلامي، عنيت النجف، متخذاً من مدرسة البحتراني سكناً له، ملازماً لحضور بحوث الخارج، لكبار المراجع أمثال السيد محمود الشاهرودي، والسيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئي، والشيخ حسين الحلي، وعلى يديّ هذين الآخرين نال السيد درجة الإجتهاد المطلق، جاعلاً من النجف المدينة التي أعطاها كل شيء، فأعطته كل شيء، مقاماً لم يغادره إلاّ نادراً إمّا لضرورة، وإمّا لأداء فريضة الحج أو زيارة المشاهد المقدسة، أوَ ليس هذا ما فعله سلفه السيد الخوئي الذي كان وصل الى النجف وهو طفل صغير، قادماً من خوء في أذربيجان الإيرانية، وما غادرها إلاّ مرة واحدة للحج، وأخرى لزيارة الأماكن المقدسة في قُم ومشهد والعراق، وثالثة للعلاج في الخارج؟

لمّا تمكن السيد السيستاني من العلوم الفقهية والأصولية، ومن علم الرواية والدراية، وعلمي الحديث والرجال جرحاً أو تعديلاً تفرغ لإعطاء بحوث الخارج كأستاذ لا ينازع في هذه العلوم، معوّلاً في بحوث الفقه خاصة على العروة الوثقى للسيد الطباطبائي، ومكاسب الشيخ الأنصاري، فكان له في هذا المجال مؤلفات وأبحاث عدّة أهمها في الصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس، والطهارة، والقضاء، والربا، والاعتكاف، وسواها من بحوث الفقه وقواعده. ومتفرعاته.. وأمّا في الأصول التي كان بدأ بتدريسها سنة 1384 هـ. فحسبك أنه حاضر فيها حوالي عقود من السنين، في ثلاث دورات كان آخرها سنة 1411 هـ… وأمّا في علمي الرواية والدراية، وعلمي الرجال والحديث، فحسبك دلالة على تفوقه في هذه العلوم مؤلفاته الثلاثة التالية: “رسالة في تدوين الحديث في الإسلام”، “مسالك القدماء في حجيّة الأخبار”، “نقد رسالة تصحيح الأسانيد للأردبيلي”(9)، هذا، وإن للسيد أطال الله عمره، كأستاذ في بحوث الخارج، ميزة في سبر غور المسألة الفقهية أو الأصولية، وهي استخراج الأدلة والبراهين واستنباط الحكم الشرعي القائم على السعة في المقابلة، ومخالفة الآخرين أحياناً في فهم الدليل، وفي الشرح والتفسير والتعليل، ميزة لطالما كانت موضع إعجاب، يدل على ذلك شروحه على مشيخة التهذيب، وشرحه على مشيخة الفقيه، وتعليقته على العروة الوثقى، وغير ذلك من تعليقات وشروح تنمّ جمبعها عن عمق فهم، وسعة أفق وقوة مراس في استنباط الحكم الشرعي، وإقامة الحجة عليه بالبرهان والدليل

مناقبه، أعماله

على الصعيد الاجتماعي والثقافي

ما شدّني إلى أحد وجوه غلاف المجلة الذي كنت حدثتك عنه يوم نظرت وصاحبي لأول مرة إليه، ومن قبل التعرف عليه، عنيت وجه سيدنا السيستاني، وهذا ليس من باب الفراسة الذي هو الاستدلال بالأمور الجسمانية على الأمور النفسانية الخفية، والذي هو أحد أقسام الحكمة الفرعية الطبية كما عند ابن سينا والغرض فيه الاستدلال من الخلق على الأخلاق، وهذا علمٌ لا أدّعيه لنفسي، وما ادّعيته من قبل… ما شدّني إلى هذا الوجه هو تلك المسحة من الجلال، ولا أقول الجمال، وذلك الشحوب المفصح عن جهد في المطالعة، وكدّ في الدراسة، وعن قلقِ بالٍ، وسهرِ ليال… أمّا العينان، ويا لتلكما العينين المجتهدتين الذكيّتين الكاسفتيّ البصرِ، ما كان أفصحهما تعبيراً عن عزوف صاحبها عن دنيا غرورٍ، متاعها قليلٌ، وعناؤها طويلٌ، تُقَلّبُ في أهلها من حال إلى حال…

ونستمع للأخبار، اخبار المذياع أو التلفاز، ننصت لها ولتصريحات كبار المسؤولين الذين قابلوا هذا القابع في بيته، فعبثاً يلمح شخصه بين الشخوص، وهيهات وأنّى لعدسة التصوير أن تمكن من أن تُظهر صورته في التصاوير.

وتحدثنا الركبان عنه قادمة للتوّ من زيارة النجف، فتزورنا بكل نفيسٍ من المناقب، وغالٍ من الشمائل… عن التواضع والورع والزهد، زهده في الدنيا المتمثل بترك حلالها مخافة حسابه، وحرامها مخافة عقابه، وبترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا، وعدم الفرح بشيء منها، أو الحزن على فقده، وبالاكتفاء بالأخذ بما يعينه على طاعة ربه، مع دوام الذكر والمراقبة والتفكر في الآخرة، تحدثنا الركبان… عن السبعين متراً مربعاً، لا غير هي مساحة المنزل الذي يقيم فيه السيد، في زقاق من أزقة النجف، كمستأجر له، غير عابئٍ ببريق الشهرة أو الإعلام، محتذياً حذو جده ربّاني هذه الأمة علي بن أبي طالب القائل إنّ شرّ الرجال من تخفق وراء النعال، تحدثنا الركبان..

وتسألني بعدُ، لمّا وقع بصري على صورة وجهه لأول مرة في غلاف المجلة، لماذا مالت النفس إليه، وما وقع الاختيار إلا عليه؟!..

• مهلاً، يا هذا، ولا يأخذنّك بي وبالرجل الظنّ، فتتوهمنّ أن هذا القابع في البيت، حبيس السبعين من الأمتار المربعة، هو بعيدٌ عن هموم الناس والمجتمع.. لا، ما هذا ظني بك، وإني لأعيذك من السرف وشطط القول، وهل المراكز والمؤسسات والمجمّعات التي يرعاها السيستاني، إمّا مباشرة، وإمّا بواسطة وكلائه، تلك التي كان عمل على تأسيسها، وإنشائها، وهي تعود بالفائدة على مختلف طبقات المجتمع على الصعيد الإجتماعي والدعائي والخيري والديني والثقافي، والغاية منها مدّ يد العون للمحتاجين، وإعلاء كلمة الله، ونشر الدعوة الإسلامية ممثلة بنشر العلوم الدينية والفقهية، علوم أهل البيت، عليهم السلام، خاصةً، هذا بالإضافة الى الاهتمام بنشر العلوم الأدبية والفلسفية والكلامية، عن طريق استخدام أحدث وسائل الاتصال إلا شاهد على ما أقول، وإنها لكثيرة في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

على الصعيد السياسي،

هذا، على الصعيد الإجتماعي والثقافي والديني، أما على الصعيد السياسي وما أظنك غافلاً عمّا بيّنته لك من قبل، لجهة عدم اعتقاد السيستاني بالجمع بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية، كما هو الحال في إيران، ولا يعني هذا أبداً معاداة السيستاني للنظام الإسلامي السياسي القائم في إيران، معاذ الله، كما لا يعني أبداً وهو المتقدم في السلّم التقليدي المرجعي عن طريق الفتوى والتدريس والتعمق في الفقه والأصول، على خُطى سلفه الخوئي، لا يعني هذا أن السيستاني لم يهتم بالجانب السياسي، كيف والمرجعية الشيعية طوعاً أو كرهاً، ومنذ القدم، اعتادت أن تعيش تعقيدات الوضع السياسي، فتتأثر بها، وتؤثر فيها، كان هذا أيام البويهيين، ثم أيام الصفويين والعثمانيين، ثم أيام القاجاريين لما أصدر الميرزا محمد حسن الشيرازي (ت 1312 هـ) فتواه المشهورة بتحريم التنباك، استنكاراً لسياسة الشاه ناصر الدين المتحالف مع الإنكليز وكان هذا في النجف لما تضامنت جهود العلماء، فصدرت الفتاوى عن بعض كبار المراجع في وجوب مواجهة المحتلّ البريطاني، سنة 1920 م فيما عُرف بثورة العشرين…

ومع قيام الحرب العراقية – الإيرانية سنة 1980 م، رأت المرجعية الدينية الشيعية في النجف، نفسها في أتون صراع بين فريقين، فريق يمثّل قطاعاً واسعاً من الناس المؤيدين للثورة الإسلامية في إيران، وفريق ينأى بنفسه عن الزجّ في تأييده للثورة خوفاً من بطش طاغوت بغداد الذي لم يتورع عن الإقدام على إعدام رجل الدين البارز المناهض للحكم، السيد محمد باقر الصدر، ثم إعدام ثلّة من خيرة رجال الدين من آل الحكيم، الأمر الذي ألقى بظله الثقيل على المرجعية الدينية في النجف، ما اضطرّها الى ممارسة دور سياسي يتمثل بالحذر الشديد، مستخدمة التقية وضبط النفس.

إلى حد بعيد، ومع انتهاء حرب الخليج الثانية، وقيام الإنتفاضة الشعبانية الشيعية المباركة في جنوب العراق، التي جعلت من السيد الخوئي رمزاً لها، يدلّ على ذلك إقدام النظام الحاكم لمّا تمكن من قمع الانتفاضة على إعتقال الخوئي، ووضعه في شبه إقامة جبرية، فضلاً عن زجّ النظام بالعديد من معاوني المرجعية في السجون، وإثر تجاوز الخلاف المتمثل بالتنافس في خلافة السيد الخوئي المنتقل الى جوار ربه صيف 1992 م، ليخلفه في إيران كل من السيد الكبايكاني فالسيد الأراكي، وفي العراق كل من السيد عبد الأعلى السبزواري، فالسيد علي السيستاني الذي حصل على تأييد واسع من علماء الشيعة، باعتباره الأوفر حظاً في هذا المنصب، ومع خلوّ الجوّ له، برزت الى السطح هموم المرجعية التي من أهم همومها الجانب السياسي…

الغزو الأمريكي

إثر قمع نظام بغداد الحاكم للإنتفاضة الشيعية في جنوب العراق، قمعاً وحشياً قلّ نظيره، استخدم السيستاني الذي أضحى المرجع الذي لا ينافس، وله أتباع ومقلّدون كُثر خارج العراق، استخدم التقية التي استخدمها من قبلُ سلفه الخوئي، مغلّباً الديني على السياسي، غير غافلٍ البتّة عن التنديد في الخارج بقوى الاستكبار العالمي، وعن تأييده للحركات المناهضة للصهيونية وللإستعمار في كل من أفغانستان وفلسطين ولبنان ظلّ الحال على هذا المنوال عقداً من السنين أعقبه الغزو الأمريكي والقوى المتحالفة معه، للعراق سنة 2003 م، لتجد المرجعية الشيعية ممثلة بالسيد السيستاني، نفسها من جديد بين نارين، نار الدفاع عن أعتى نظام قمعيّ حاكم متخصص في قتل الأحرار من العراقيين، وتشريدهم من بيوتهم، وبزجّهم في حرب ظالمة ضد اخوتهم في الدين بإيران، وبإعدام المئات من خيرة العلماء الأبرار، ونار الاحتلال الأجنبي الذي حمل للعراقيين، الشيعة خاصة، طبعاً تحت شعار حيازة نظام بغداد لأسلحة الدمار الشامل، وشعار الادّعاء بحماية الشيعة والأقليات الدينية والعراقية، حمل إليهم بشرى الخلاص، وما كان هذا إلاّ ذريعة تُخفي أطماعه في نهب ثروات العراق، ووضع يده على منابع النفط الذي هو شريان الحياة، وعصب الاقتصاد الذي تحرّكه أيدي عمالقة الشركات العابرة للقارات…

إزاء هذا الوضع المتفاقم والبالغ الحساسية الناجم عن الاحتلال وما أعقبه من فوضى وقتل وتشريد، ارتأى السيد السيستاني الخلود إلى السكينة والاهتمام بشؤون المرجعية على الصعيد الديني والعمل المؤسساتي والتبليغي، ومساعدة المحتاجين والمتضررين والمشردين، مترقباً انقشاع غيوم المحنة، غير متورّع عن التنديد باحتلال العراق، وعن استنكاره للتفجيرات وللجرائم التي راحت ترتكبها القوى التكفيرية مدعومة من بعض فلول قوى النظام البائد، بحق المواطنين المسالمين، محذراً عملاً بالآية الكريمة (ولا تزر وازرةٌ وزرَ أُخرى) مقلديه وغير مقلديه من العراقيين، من الإنتقام أو الرد على المجازر والتفجيرات بالمثل، الأمر الذي ساعد على وأدِ الفتنة والحدّ من استعار نار الاقتتال الطائفي والمذهبي، في غضون ذلك، ومن باب حرص السيد على أن يكون العراق كلُّ العراق، لجميع مواطنيه على اختلاف مشاربهم وأطيافهم وانتماءاتهم الدينية والمذهبية، وانطلاقاً من مفهومه المتمثل بفصل السياسة في الحكم عن الدين، شريطة أن لا يتنافى السياسي مع الديني، بمعنى أن لا يخالف التشريع الوضعي مبادئ الشرع الأساسية، والقيم الخلقية، فإنّ السيستاني كان أول الداعين إلى وضع دستور عصريّ للعراق، وإلى تأليف حكومة عراقية وطنية غير دينية، منبثقة عن مجلس تشريعي منتخب من الشعب، وتتمثل به جميع الشرائح والطوائف والأطياف، وفاقاً لقاعدة النسبية، عراق واحد حرّ مستقل يلم شمل جميع مواطنيه، الأمر الذي تسبب، وتحت شعار ادّعاء مناوأة الاحتلال، بنقمة المخالفين له، سواء من قبل الجماعات التكفيرية، أم من قبل الفئات التي كانت مستفيدة من النظام البائد، أو من تلك الجماعات المتشددة التي تدعو إلى إقامة حكومة إسلامية في العراق على غرار حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران، غير مدركين الفارق ما بين البلدين، إذ أن جُلّ مواطنيها من الشيعة الإمامية، وإن لجهة الظروف والأسباب التي تحول دون قيام ثورةٍ مماثلة لها في العراق، وليس أقلّها تعدد طوائف العراق، وتباين شرائح نسيجه الاجتماعي في اللغة والجنس والعرق والدين والمذهب… من هنا، وعلى غرار أساطين العلماء من أسلافه الذين ينتمون إلى مدرسة أهل البيت، والذين ما عُرفوا إلاّ بالعقل الراجح، والنظر الثاقب، وبسداد الرأي المتمثل بوضع الأمور في مواضعها تباعاً لتقلّب الأزمان، وتبدل الأحوال، وبانتظار قيام دولة الحق الموعود بها في آخر الزمان، كما في اعتقاد المسلمين عامّةً، والشيعة خاصةً، ولا يعني ذلك أبداً، السكوت عن الظالم، أو عدم مقارعة الباطل، أو تعطيل مقولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مقولة تدخل في صلب فروع الدين… فإن السيد السيستاني، وهو الذي ألقت المرجعية الدينية إليه بثقل مسؤوليتها وهمومها، فكان موضع ثقة واحترام الجميع، ما انفكّ، وبحسب تكليفه الشرعي يعمل ويعمل… بصمتٍ يعمل… بعيداً عن الأضواء وعدسات المصورين يعمل… على كلّ صعيد يعمل، مراكز ومؤسسات ومشاريع ومجمّعاتٍ، إعلاءً لكلمة الله، ووفاءً لمبادئ الدين الحنيف، ولمدرسة آل البيت التي ينتسب إليها يعمل.. وما مجمّع الإمام الصادق (ع) الثقافي في بيروت، وهو أحدث منجزات جمعية آل البيت، برعاية السيد السيستاني، والذي يصادف الاحتفال بتدشينه الخميس الواقع في الثلاثين من شهر تشرين الأول، سنة 2008 م، وهو اليوم الذي كنت فرغت للتوّ فيه من تحرير مقالتي هذه، وكان لي شرف المشاركة في الإحتفال، إلاّ شاهد على ما أقول.

ختاماً، إن من كلمةٍ أقولها إلاّ تلك التي قالها لي أحد من قابلتهم مصادفةً في النجف الأشرف،، إذ تقدمت على إستيحاءٍ منه وحذرٍ، متوسماً فيه النجابة والطلاقة، والفضل وصدق القول، قلت له: كيف العراق؟ قال: بخيرٍ. قلت: أفصِحْ. قال: ما دام في العراق رجل اسمه السيد علي السيستاني، فالعراق بألف خيرٍ… أليس هو الذي أطفأ النائرة، ووأد الفتنة، هادياً بالحق، حاكماً بالعدل، ملتزماً السيرة الحميدة، والطريقة المستقيمة، داعياً إلى وحدة الكلمة التي هي كلمة العراق، كل العراق

الدكتور يحيى شامي(أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية)- بيروت – لبنان

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

سوال امنیتی: